بين الذاكرة والعبور: المسرح كرهان إنساني عابر للحدود

ابراهيم
ثقافةقضايا عامة
ابراهيم20 ديسمبر 2025آخر تحديث : منذ 4 أشهر
بين الذاكرة والعبور: المسرح كرهان إنساني عابر للحدود
بين الذاكرة والعبور: المسرح كرهان إنساني عابر للحدود

في زمن تتكاثر فيه الأسئلة حول الهوية، وتحتد فيه ثنائيات الاختلاف والانتماء، يبرز المسرح بوصفه أحد آخر الفضاءات القادرة على ترميم المعنى وبناء الجسور بين الذوات والثقافات. من هذا المنظور، تكتسب تجربة المنتج المسرحي فابريس تيبول راهنيتها، لا باعتبارها مغامرة إنتاجية فحسب، بل بوصفها مشروعًا إنسانيًا يراهن على الفن كقوة للقاء والحوار.رغم حداثة عهده بمجال الإنتاج المسرحي، استطاع فابريس تيبول أن يفرض حضوره داخل المشهد الفني بدينامية لافتة، مكّنته من إنتاج أكثر من خمسة أعمال مسرحية في فترة زمنية وجيزة. هذا التسارع لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج شغف واعٍ ورؤية فنية ترى في المسرح فعلاً ثقافيًا يتجاوز منطق الكم، ليصنع الأثر ويفتح أفق الأسئلة. فالمسرح، في تصور تيبول، ليس منتجًا جاهزًا للاستهلاك، بل تجربة حية تُبنى بالتشارك، وتُختبر في تماسها مع الآخر.من بين هذه التجارب، تبرز مسرحية «المجد الأبرار» كعلامة دالة على هذا الاختيار الجمالي والإنساني. عمل جماعي يشارك في تشخيصه أزيد من عشرة ممثلين من مدينة مراكش، إلى جانب عشرة ممثلين من باريس، في تلاقٍ نادر تتقاطع فيه الخلفيات الثقافية والتجارب الفنية. هنا، لا تعود الخشبة مجرد فضاء للعرض، بل تتحول إلى مجال للترجمة المتبادلة بين الأجساد، والإيقاعات، والذاكرات، حيث تذوب الفوارق اللغوية والجغرافية لصالح لغة مسرحية كونية، قوامها السؤال الإنساني المشترك.وتندرج هذه التجربة ضمن مشروع أوسع يتمثل في تأسيس مجموعة عربية ستاج، التي أُحدثت سنة 2025 بمدينة مراكش كشركة متخصصة في إنتاج العروض المسرحية. منذ لحظتها الأولى، أعلنت المجموعة عن طموحها في الانفتاح على التجارب الدولية، مع الحفاظ على جذورها الضاربة في التربة الثقافية المغربية، واضعة نصب أعينها توسيع حضورها وفتح فروع لها بفرنسا. إنه وعي مبكر بأهمية التموقع المتوازن بين الضفتين، ليس فقط جغرافيًا، بل فكريًا وجماليًا.
من خلال هذا المسار، يسعى فابريس تيبول إلى إعادة تموقع المغرب كفاعل أساسي في مجال الفنون الحية على مستوى شمال إفريقيا، عبر بناء جسور حقيقية بين الفنانين المغاربة ونظرائهم الأوروبيين. عروض تراهن على المزاوجة بين التقاليد المحلية والابتكار المعاصر، دون الوقوع في فخ الفولكلرة أو الاستنساخ، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الخصوصية ليست نقيضًا للكونية، بل شرطًا من شروط تحققها.في هذا الملتقى الخلاق بين الذاكرة المغربية والحس الجمالي الفرنسي، يولد المسرح بصيغة جديدة: لا كفعل فرجة فقط، بل كفعل ثقافي وإنساني قادر على خلخلة المسلمات، وفتح الحوار، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الهوية والانتماء والمعنى. هكذا تبدو تجربة فابريس تيبول ومجموعة عربية ستاج أشبه بورشة مفتوحة على الاحتمال، تؤسس لأفق واعد لمسرح مغربي منفتح، طموح، وعابر للحدود، يجعل من الخشبة مساحة مشتركة للتفكير في الإنسان… أينما كان.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق