ضمن قراءة نقدية لا تدّعي الإحاطة بقدر ما تفتح باب النقاش، يتجدد مع اقتراب كل موعد للانتخابات التشريعية النقاش العمومي بين فئات واسعة من المواطنين، حيث تتحول الفضاءات اليومية والافتراضية إلى ساحات لتقييم المرشحين وتوقع مآلات الاستحقاقات المقبلة، غير أن هذا النقاش رغم حيويته يكشف عن مفارقة لافتة تتمثل في تضخيم صورة المرشح للبرلمان، إذ يُقدَّم في كثير من الأحيان كفاعل استثنائي قادر على إحداث تغيير جذري وكأنه المنقذ الذي تنتظره فئات واسعة من المجتمع في مقابل واقع سياسي أكثر تعقيداً وتشابكاً.
هذا التصور لا يعكس فقط ارتفاع منسوب التطلعات، بل يكشف أيضاً عن خلط واضح بين الأدوار الدستورية والانتظارات الشعبية، فالبرلماني من حيث المبدأ لا يمتلك سلطة تنفيذية مباشرة، بل ينحصر دوره في التشريع ومراقبة عمل الحكومة وتمثيل المواطنين عبر نقل مطالبهم وانشغالاتهم، غير أن هذه الأدوار التي تبدو وازنة في النصوص، تصطدم في الواقع العملي بعدة محددات تقلص من فعاليتها.
في مقدمة هذه المحددات طبيعة التوازنات السياسية داخل البرلمان، حيث تتشكل الأغلبية البرلمانية في الغالب من نفس مكونات الأغلبية الحكومية ما يجعل من الصعب الحديث عن رقابة حقيقية أو معارضة فعالة داخل المؤسسة التشريعية، وبدل أن يشكل البرلمان سلطة مستقلة قادرة على مساءلة الحكومة أو تعديل توجهاتها يتحول في كثير من الأحيان إلى فضاء يمنح الشرعية لقرارات جاهزة ويمرر السياسات العمومية دون نقاش عميق أو تأثير ملموس.
وعليه فإن دور البرلماني كما يُمارس فعلياً يظل محصوراً في حدود ضيقة أقرب إلى وظيفة تمثيلية شكلية تنقل هموم المواطنين دون أن تمتلك القدرة الحقيقية على تحويلها إلى قرارات ملزمة أو سياسات مؤثرة وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين سقف الانتظارات الشعبية والنتائج المحققة على أرض الواقع حيث تتكرر نفس الوعود ونفس الخيبات مع كل استحقاق انتخابي.
ولا تقف حدود هذا الإشكال عند المؤسسة التشريعية فقط، بل تمتد لتشمل الفعل الحكومي ذاته الذي يبدو بدوره محكوماً بإكراهات وتوازنات تتجاوز في كثير من الأحيان نطاق القرار السياسي المنتخب، ففي ظل هذا السياق تصبح قدرة الحكومة على إحداث تغييرات جوهرية محدودة ما يعزز الانطباع بأن مختلف هذه المؤسسات تشتغل ضمن هامش ضيق وتظل في نهاية المطاف أقرب إلى واجهة لمنظومة أوسع تتحكم في توجهاتها الكبرى.
إن الإشكال الحقيقي إذن لا يكمن فقط في وعي الناخب أو اختياراته، بل في طبيعة البناء السياسي الذي يحدد أدوار الفاعلين وحدود تأثيرهم، وبين خطاب انتخابي يرفع سقف الوعود وواقع مؤسساتي يقيد الفعل يستمر إنتاج نفس الحلقة: آمال كبيرة، وممارسات محدودة، ونتائج دون التطلعات
في ظل هذا الواقع لا تبدو الحكومة فاعلاً تقريرياً مستقلاً بالقدر الذي يُفترض، بل أقرب إلى جهاز تنفيذي يشتغل ضمن توجهات وبرامج مرسومة سلفاً تتداخل فيها اعتبارات تتجاوز المؤسسات المنتخبة وهو ما يجعل هامش القرار السياسي سواء داخل الحكومة أو البرلمان محدودا ويغذي الشعور العام بأن هذه المؤسسات لا تعكس بالكامل إرادة الناخبين بقدر ما تعيد إنتاج اختيارات جاهزة.
وأمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي يُفهم بها العمل السياسي، ليس فقط من زاوية الأشخاص أو الوجوه المرشحة بل من خلال مساءلة الأدوار الحقيقية للمؤسسات وحدودها بما يسمح ببناء وعي سياسي أكثر واقعية بعيداً عن وهم “المنقذ”، وأقرب إلى فهم توازنات الفعل السياسي كما هي على الأرض.
المصطفى اخنيفس




