مساء الأربعاء 16 يوليوز 2025 لم يكن عاديًا في إقليم سطات. لم يكن مجرد غروب يوم صيفي، بل كان موعدًا مع فاجعتين انفجرتا دفعة واحدة في وجه مجتمع لم يعد يملك رفاهية الإنكار. طفلة في الرابعة عشرة، وشاب في الثامنة عشرة، فارقا الحياة في حادثتي انتحار منفصلتين، لكنهما متشابهتان في الرسالة والصرخة: هناك من يرحل لأن الحياة لم تُعطه فرصة ليبقى.
في دوار الفرش بجماعة الخزازرة، صُدم السكان بخبر انتحار طفلة، وجدت معلّقة في منزل والديها في مشهد تقشعر له الأبدان، يعجز فيه العقل عن الفهم، ويغرق فيه القلب في الحزن. الأسباب؟ لا تزال مجهولة، لكن الغياب المؤكد هو الاحتضان.
وفي نفس اليوم، في دوار الحريشة بجماعة ثلاثاء الأولاد، شابٌ في مقتبل العمر ابتلع مادة سامة في محاولة للهروب من شيء لم نعرفه، وربما لم نحاول أن نعرفه بما يكفي. حاولت أسرته إنقاذه، لكن الطريق نحو المستشفى تحوّل إلى الطريق الأخير.
هذه المآسي ليست معزولة، وليست مجرد تفاصيل محزنة في نشرة أخبار محلية.
هي مرآة لخلل عميق في المنظومة التي من المفترض أن تحمي أبناءها.
حين يغيب الدعم النفسي، وتغيب المدرسة كحاضنة تربوية، ويغيب الأمل، يصبح الانتحار خيارًا ممكنًا حتى لمن بالكاد بدأوا حياتهم.
ما الذي يجب فعله؟
– على الدولة أن تضع الصحة النفسية في قلب سياساتها، لا على هامش ميزانياتها.
– على المؤسسات التعليمية أن تتحوّل إلى فضاءات للإنصات والاحتواء.
– على المجتمع المدني أن يكون أقرب لمن يعاني بصمت.
– وعلى الأسر أن تُعيد فتح الأبواب المغلقة بالحوار والحنان.
هؤلاء الذين غادرونا لا نملك إعادتهم، لكننا نملك أن نُنقذ من سيأتي بعدهم.
لنكسر الصمت، ولنُعيد بناء الإنسان قبل أن يفكّر في مغادرة الحياة.
محمد فتاح




