
في قلب المغرب، يتكرّر مشهد الانتحار بصمت، كأنما صار عاديًا في مجتمع اعتاد أن يُدير وجهه عن الجرح. لكن الانتحار ليس خبرًا عابرًا، بل فاجعة تكشف عما هو أعمق: هشاشة اجتماعية، وعجز سياسي، وبرود أخلاقي.
حين يُترك المواطن في مواجهة الفقر المُزمن، والبطالة المُهلكة، والاضطرابات النفسية بلا دعم، فإن الحديث عن “إرادة الحياة” يصبح عبثًا. حين يُخنق الإنسان بكلامٍ يُحرّم فعله دون أن يرحمه، ويُقصى من مجتمعه بدل أن يُحتضن، يصبح الرحيل أقرب من البقاء.
وليست المسؤولية هنا فردية فقط. إنها سياسية، واجتماعية، وأخلاقية:
– الدولة تخلّت عن دورها في توفير منظومة للرعاية النفسية والاجتماعية، وتركت المواطن في عزلة.
– المجتمع اختار طريق الوصم بدل الاحتواء، وكأن من فكّر بالانتحار أصبح خارج دائرة التعاطف.
– المؤسسة الدينية اكتفت بتحريم الفعل، دون أن تسعى لفهم أسبابه أو لتقديم دينٍ يُواسِي ولا يُدين.
إننا نواجه مأساة لا تُحلّ بالوعظ ولا بالصمت، بل بإعادة بناء منظومة تصون الكرامة وتزرع الأمل. علينا أن نوفّر دعمًا نفسيًا حقيقيًا، ونعيد تعريف الخطاب الديني والاجتماعي، ونفتح حوارًا وطنيًا صادقًا حول الأسباب العميقة التي تدفع الإنسان إلى اختيار النهاية.
لأن الحياة ليست امتيازًا يُمنَح، بل حقٌ يجب أن يُحمى. وكل لحظة يُزهَق فيها هذا الحق، هي فشل جماعي لنا جميعًا.
بقلم محمد فتاح

