حين يذكر الشهداء تتجه الأنظار إلى ساحات المعارك و إلى صور الرجال الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن الوطن و وحدته الترابية غير أن خلف كل شهيد قصة أخرى قلما تحظى بما تستحقه من اهتمام قصة نساء وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة قدر لم يخترنه نساء فقدن الأزواج في عمر مبكر و حملن وحدهن عبء الحياة لعقود طويلة إنها قصة أرامل شهداء حرب الصحراء المغربية تلك الفئة التي عاشت بين ألم فقدان الزوج و شرف التضحية و قسوة الواقع .
لم يكن استشهاد الزوج بالنسبة إلى هؤلاء النسوة مجرد خبر حزين ينتهي أثره مع مرور الأيام بل كان نقطة تحول كبرى في حياتهن ففي لحظة واحدة تحولت الزوجة إلى أرملة و الأطفال إلى أيتام و البيت إلى مسؤولية كاملة على عاتق امرأة لم تكن مهيأة لتحمل كل ذلك وحدها .
كانت أغلب الأرامل آنذاك نساء بسيطات لا يعرفن من الحياة سوى بيت الزوجية و تربية الأبناء كثيرات منهن لم يلجن أبواب المدارس و لم يتعلمن القراءة و الكتابة لم يعرفن لغة القوانين و لا المساطر الإدارية و لا طرق المطالبة بالحقوق كن يثقن في أزواجهن و يعتمدن عليهم في تدبير شؤون الحياة و حين رحل الأزواج شهداء تركوا وراءهم فراغا لم يكن ماديا فقط بل إنسانيا و اجتماعيا و نفسيا أيضا .
وجدت الأرملة نفسها فجأة أمام عالم لم تألفه أبواب إدارات لا تعرف كيف تطرقها وثائق لا تعرف كيف تقرؤها قوانين لا تعرف كيف تفهمها مجتمع قد يرحم أحيانا و قد يقسو أحيانا أخرى أطفال صغار ينتظرون الطعام و اللباس و التعليم و الحنان أحلام صغيرة تحتاج إلى من يحميها من الانكسار .
و مع ذلك لم تستسلم تلك النساء لم يرفعن الراية البيضاء أمام قسوة الظروف بل تحولت كل واحدة منهن إلى قلعة صبر حقيقية قاومن الألم من أجل الأبناء أخفين الدموع خلف الابتسامات كسرن الخوف من أجل مستقبل الأسر تحملن مسؤوليات كانت في زمنهن أكبر من طاقة امرأة وحيدة .
كم من أرملة سهرت الليالي الطويلة و هي تفكر في كيفية تدبير مصاريف الغد كم من أم حرمت نفسها من أبسط متع الحياة حتى لا يشعر أبناؤها بالنقص أمام أقرانهم كم من امرأة واجهت نظرات الشفقة و نظرات الاستغلال معا ثم عادت إلى بيتها مرفوعة الرأس لأنها لم تساوم يوما على كرامتها و لا على كرامة الشهيد الذي حملت اسمه .
لقد ربين أبناء الشهداء في ظروف صعبة لكنهن نجحن في أن يزرعن في نفوسهم حب الوطن بدل الكراهية و حب الحياة بدل اليأس و الاعتزاز بذكرى الأب الشهيد بدل الشعور بالحرمان و بهذا المعنى فإن أرامل الشهداء لم يكن مجرد زوجات فقدن أزواجهن بل كن شريكات في استمرار رسالة أولئك الشهداء .
غير أن ما يثير الأسى أن جزءا من معاناتهن لم يكن قدرا محتوما بل نتيجة غياب المواكبة و التوجيه و الاهتمام الكافي فكثير من الأرامل لم يكن يعرفن أصلا إن كانت لهن حقوق أم لا و بعضهن لم يسمعن بالقوانين أو التوصيات أو الامتيازات التي وضعت لفائدة أسر الشهداء إلا بعد سنوات طويلة و بعضهن لم يجدن من يشرح لهن أو يرشدهن أو يرافقهن في مسار المطالبة بما لهن من حقوق .
و لأنهن كن نساء بسيطات يغلب عليهن الحياء و عزة النفس فقد آثرن الصمت على الشكوى لم يعتدن الوقوف أمام المسؤولين لم يعرفن كيف يكتبن الشكايات و الطلبات لم يملكن الجرأة على طرق كل الأبواب كن يعتبرن أن الكرامة أغلى من السؤال و أن تضحيات أزواجهن أكبر من أن تتحول إلى وسيلة لاستعطاف أحد .
و من بين المشاهد التي تختزل جانبا كبيرا من معاناة أبناء الشهداء و أراملهم تلك الواقعة التي جرت خلال أحد اللقاءات مع مسؤول سام حين اجتمع عدد من أبناء الشهداء من أجل طرح مطالبهم الاجتماعية و الإنسانية و في مقدمتها تفعيل التوجيهات و التوصيات الملكية المتعلقة بمكفولي الأمة و تمكينهم من فرص الإدماج في الإدارات و المؤسسات العمومية وفق مؤهلاتهم العلمية و الشهادات التي حصلوا عليها بعد سنوات طويلة من الدراسة و الاجتهاد .
و خلال النقاش بادر المسؤول إلى طرح سؤال بدا في ظاهره عاديا لكنه حمل في طياته الكثير من المعاني حيث قال مخاطبا أبناء الشهداء :
– أين كنتم طوال هذه السنوات حتى تأتوا اليوم للمطالبة بهذه الحقوق ؟
ساد صمت قصير داخل القاعة .
ثم جاءه الرد هادئا لكنه كان أبلغ من عشرات المرافعات و الخطب :
– ربما كان السؤال الصحيح سيدي ليس أين كنا نحن بل أين كان المسؤولون طيلة تلك السنوات ؟
– أين كانت المواكبة حين كانت الأرملة أمية لا تعرف القراءة و لا الكتابة ؟
– أين كانت المواكبة حين كانت تجهل وجود هذه الحقوق أصلا ؟
– أين كانت المواكبة حين كان أبناء الشهداء أطفالا صغارا لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم أو المطالبة بحقوقهم ؟
– كيف يمكن لطفل فقد والده في الحرب أن يطالب بحقوق لا يعرف عنها شيئا؟ و كيف يمكن لأرملة خرجت من صدمة الفقدان إلى مواجهة مسؤوليات الحياة أن تعرف أبواب الإدارات و مساطر الملفات و هي التي لم تغادر حدود بيتها إلا نادرا ؟
عندها تغيرت ملامح المسؤول ، فقد أدرك أن القضية ليست تأخرا في المطالبة بالحقوق بقدر ما هي غياب للمواكبة و التأطير و التواصل مع فئة ظلت لسنوات طويلة تواجه مصيرها وحيدة فحين تغيب المواكبة تتحول الحقوق إلى مجرد نصوص لا تصل إلى أصحابها .
إنها أسئلة لا تبحث عن إدانة أحد بقدر ما تبحث عن إيقاظ معنى الوفاء .
لكن هذا الصمت النبيل دفعن ثمنه غاليا فقد استغل بعض ضعاف الضمير جهل بعض الأرامل و بساطتهن و استغل آخرون عدم قدرتهن على المتابعة و المطالبة و بين تعقيد المساطر و ضعف المواكبة و ضياع الملفات أحيانا ضاعت سنوات من أعمار نساء لم يكن يطلبن سوى الشعور بأن الوطن الذي استشهد من أجله أزواجهن ما زال يتذكرهن .
و الأكثر إيلاما أن عددا منهن غادرن الدنيا قبل أن يشهدن أي إنصاف حقيقي رحلن بعدما شابت رؤوسهن و انحنت ظهورهن من ثقل المسؤولية رحلن بعدما أفنين أعمارهن في تربية الأبناء و خدمة الأسرة و الحفاظ على ذكرى الشهيد رحلن و هن يحملن في قلوبهن غصة مزدوجة غصة فراق الزوج الذي لم يندمل جرحه رغم مرور السنين و غصة انتظار طال حتى صار جزءا من حياتهن اليومية .
لقد مات الشهداء دفاعا عن الوطن في ساحات المواجهة أما بعض أراملهم فقد رحلن بعد معركة أخرى طويلة مع الوحدة و الحرمان و الانتظار و إذا كان الشهيد قد قدم روحه للوطن فإن الأرملة قدمت عمرها كله للحفاظ على أسرته و تربية أبنائه و صيانة ذكراه .
و ربما كان أكثر ما يثير الإعجاب في هذه التجربة الإنسانية أن هؤلاء النسوة لم يسمحـن يوما لألمهن أن يتحول إلى إساءة للوطن كن يخفين أوجاعهن لأنهن كن يخشين أن يستغل أعداء الوطن معاناتهن للتشكيك في عدالة قضيته تحملن بصمت لأن حب المغرب كان أكبر من جراحهن و فضلن أن تبقى معاناتهن حبيسة الجدران على أن تتحول إلى مادة يستثمرها المتربصون بالوطن .
لهذا فإن الحديث عن أرامل الشهداء ليس حديثا عن ملف اجتماعي فقط إنه حديث عن ذاكرة وطنية و عن دين أخلاقي و معنوي تجاه نساء قدمن للوطن أعمارهن بصمت نساء لم يحملن السلاح في ساحات القتال لكنهن حملن أعباء الحياة كلها بعد رحيل من حملوه .
إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكتمل بتخليد أسمائهم فقط الوفاء الحقيقي يبدأ حين نتذكر من بقوا بعدهم حين نصغي إلى قصص الأرامل حين نكرم سنوات صبرهن حين نعترف بأن وراء كل شهيد امرأة مجهولة خاضت معركة عمر كاملة دفاعا عن الأسرة و الكرامة و الذاكرة .
لقد رحل كثير من الشهداء مرفوعي الرأس في ساحات الشرف و رحلت بعدهم بعض الأرامل مرفوعات الرأس أيضا بعد رحلة طويلة من الصبر و الكفاح و الانتظار أولئك قدموا أرواحهم للوطن و هؤلاء قدمن أعمارهن من أجل حفظ الأمانة التي تركها الشهداء وراءهم .
رحم الله أرامل الشهداء اللواتي رحلن و في أعينهن بقايا انتظار و رحم كل أم قضت عمرها تربي أبناء الشهيد و تحرس صورته و تحدث أحفاده عنه ثم غادرت الدنيا قبل أن تسمع كلمة وفاء توازي حجم ما قدمته من تضحية و صبر فبعض النساء لا يكتب التاريخ أسماءهن في صفحاته الكبرى لكنه يبقى مدينا لهن بما لا تستطيع الكلمات أن توفيه حقه .
بقلم عبد السلام عبد النبي ابن شهيد حرب الصحراء المغربية




