سادن العرين وترنيمة العبور : حين يُكتب المجد بمداد الدموع

ابراهيم
الوطنيةثقافةرياضة
ابراهيم15 يناير 2026آخر تحديث : منذ 4 أشهر
سادن العرين وترنيمة العبور : حين يُكتب المجد بمداد الدموع
سادن العرين وترنيمة العبور : حين يُكتب المجد بمداد الدموع

على ضفاف الرباط، حيثُ يتعانق عبقُ التاريخ مع صخبِ الحاضر، احتضن ملعب الأمير مولاي عبد الله ملحمةً لم تكن الحساباتُ الرياضيةُ إلا قشرتَها الخارجية. كانت الموقعةُ نزالاً بين “إرادتين”، وحواراً نارياً صامتاً بين أسودٍ لا تروض ونسورٍ تأبى الانكسار. مائة وعشرون دقيقةً من الاستنزافِ الوجداني، كانت الأنفاسُ فيها تترنحُ على حافةِ الأمل، والشباكُ صائمةٌ صوماً صوفياً عن الاهتزاز، وكأن الميدانَ قد استحال رقعةً من “المرمر التكتيكي” الذي لا يقبلُ الخدش.

​رقصة القدر: حين غدا القفازُ قدراً
​وعندما بلغتِ القلوبُ الحناجر، وانحبسَ الضوءُ في المآقي، نادت “ركلاتُ الترجيح” أصحابَ القلوبِ الثابتة. في تلك اللحظة الرهيبة، خيّم الصمتُ الجنائزي على الأرجاء، وانكمشَ الكونُ ليُختزل في مساحةٍ لا تتجاوز بضعة أمتار. هناك، وقف ياسين بونو “حارسُ العرين” شامخاً كأنه مئذنةٌ من اليقين في بحرٍ من الشك. لم يكن يقفُ وحيداً بين الخشبات الثلاث، بل كان يسندُ بظهره تاريخَ أمة، ويحمل على عاتقه أحلامَ ملايينَ كانت قلوبهم تخفقُ تحت قميصه الوطني.
وعندما تقدمَ الخصمُ، والكرةُ في يده كأنها جمرةٌ من نار، انقضَّ الحارسُ كفكرةٍ خاطفة، أو كشهابٍ يمزقُ عتمةَ القلق. لم تكن يدُه هي التي تمددت، بل كانت روحُ الأسد التي استطالت لتصفعَ اليأس، وتُعيدَ الكرةَ من حيثُ أتت، منكسرةً أمام جدارٍ من العنفوان المغربي. لقد كانت تلك “الصدّةُ” قصيدةً من الوفاء، كتبها القفازُ على وجه الريح، ليمهد الطريق أمام رفاقه الذين انبروا يخطّون بمدادِ الإصرارِ ملحمةَ الفوز (4-2).

​سيمفونية المآقي: قداسة الوجع الجميل
​ثم انهمر الغيثُ… لم يكن مطراً، بل كانت دموعَ “الأسود”. بكوا لأن الحلمَ كان أضخمَ من صدرِ الواقع، ولأن الوصولَ إلى “سدرةِ المنتهى” في التنافس ليس مجرد عبورٍ عابر، بل هو زلزالٌ عاطفيٌّ يُفتتُ صخورَ الصمتِ في جوفِ الكبار قبل الصغار.
​لقد استحال الأبطالُ الجسورون إلى أطفالٍ يغسلون وجوههم بماءِ المجد. سقطت دموعهم ليس عجزاً، بل لأن النشوةَ كانت أعنفَ من الاحتمال، ولأن العبورَ المقدس إلى نهائي القارة قد عُمِّدَ بـ “عرقِ الروح” ونزيفِ القلق. هي دموعُ الخلاص، حين يدركُ المقاتلُ أنه لم يعد مجرد لاعبٍ، بل غدا أيقونةً في ذاكرةِ الزمن، ورسولاً للفرحِ في بلادٍ عاشت ليلتها وهي تتنفسُ الصعداء من ثقبِ إبرةِ المستحيل.
​تلك القطراتُ الساخنة لم تكن علامةَ ضعف، بل كانت نبيذَ الفرحِ المعتق الذي فاض من كؤوسِ الصدور حين ضاق بها الاتساع. لقد توضأتِ العيونُ بماءِ الفخر، ونطقتِ المآقي بما عجزت عنه فصاحةُ البيان.
​فسلامٌ على تلك الأيادي التي ما خانت، وعلى تلك العيون التي رأت المجد قبل أن يولد. دام زئيركم يملأ الآفاق، أيها الأسودُ الذين جعلتم من المستحيلِ أغنيةً نرددها بزهو.

عبد الكريم غيلان
كاتب و شاعر

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق