قانون حماية الحيوانات الضالة.. حين تتحول الرحمة إلى مخالفة قانونية وضريبة مستقبلية

ابراهيم
الوطنيةسياسةقضايا عامة
ابراهيم13 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 10 أشهر
قانون حماية الحيوانات الضالة.. حين تتحول الرحمة إلى مخالفة قانونية وضريبة مستقبلية

صادقت الحكومة المغربية خلال شهر يوليوز 2025 على مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها، وأحالته على البرلمان للمصادقة النهائية ، خطوة اعتُبرت في ظاهرها تقدمًا تشريعيًا نحو تنظيم التعامل مع الحيوانات المتشردة والحد من المخاطر الصحية المرتبطة بها، من خلال إنشاء مراكز رعاية تحت إشراف بيطري، واعتماد أساليب علمية للحد من تكاثرها ، غير أن في قراءة متأنية لمضامين هذا المشروع تكشف عن تناقضات صارخة بين أهدافه المعلنة وما تنص عليه بعض مواده التنفيذية.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه القانون عن حماية الحيوان من الأمراض والعنف ، نجد أنه يُجرّم المواطن الذي يتدخل لإنقاذه ، حيث تنص المادة الخامسة صراحة على منع أي شخص من رعاية حيوان ضال، سواء بالإيواء أو الإطعام أو العلاج، وتُعززها المادة 44 التي تُقر غرامة مالية تتراوح بين 1.500 و3.000 درهم على كل من يقوم بذلك في الفضاءات العامة ، هذا التوجه يطرح تساؤلات مشروعة: هل أصبحت الرحمة مخالفة قانونية؟ كيف يُعاقب من يقدم الماء أو الطعام لحيوان جائع في الشارع، بينما الجهات المسؤولة لم تقم بواجبها في احتضانه؟ أليس من الأولى مساءلة من ترك الحيوان في الشارع، بدلًا من تجريم من حاول إنقاذه؟

المشكلة لا تكمن فقط في العقوبة، بل في غياب البدائل العملية ، فالقانون يمنع التدخل الفردي، لكنه لا يُوفر مراكز كافية أو آليات تدخل سريعة مما يُكرّس الإهمال ويُعاقب التعاطف بدلًا من دعم المبادرات الفردية والجمعوية التي تسدّ ثغرات غياب المؤسسات ، كما يُلوّح القانون بعقوبات قد تُثني الناس عن التدخل وتترك الحيوانات الضالة عرضة للجوع والمرض مما سيجعلها في وضع متوحش اكثر .

وفي نفس السياق نجد عدد من المجالس الجماعية لا تزال تلجأ إلى قتل الحيوانات الضالة بالرصاص داخل المدن، وفي ساعات متأخرة من الليل، في مشاهد تُرعب السكان وتُسيء لصورة المؤسسات ، هذه الممارسات التي في معظم حالاتها تتم دون إشراف طبي أو قانوني، تُناقض تمامًا روح القانون وتُظهر أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص بل في غياب الإرادة لتطبيقها بشكل إنساني ومسؤول.

وفي ظل هذا الغياب الواضح لدور المجالس المحلية والجهات المختصة يظهر المواطن المتطوع كمن يسد فراغًا مؤسساتيًا ، فبدل أن يُكرم على مبادرته يُفاجأ بتجريمه وكأن القانون يقول له: لا ترحم، لا تتدخل، دع الحيوان يتشرد أو يُقتل، فذلك أهون من مخالفة المادة (5) هذا المنطق يُثبط جهود المجتمع المدني ويُضعف ثقافة الرفق بالحيوان ويُحول التعاطف إلى تهمة.

إذا كانت الدولة ترغب فعلًا في تنظيم هذا المجال، فالأجدر أن تُقدّم دعمًا مجانيًا لكل من يعتني بالحيوانات ، خاصة في ما يتعلق بتسجيل الحيوان رسميًا دون رسوم محتمل ادراجها في النصوص التنظيمية مستقبلا ومنحه رقم تعريفي ودفتر صحي وتلقيحه ، وتوفير دعم غذائي أو طبي عند الحاجة ، هذا الدعم يُمنح لمن يعتني بالحيوانات بدافع الرحمة لا لمن يتاجر بها، فالمتاجرة بالحيوانات يجب أن تخضع للرقابة، لا أن تُخلط بالرعاية التطوعية.

ففي العديد من الدول التي تتمتع بوضع اجتماعي واقتصادي متقدم، تُمنح تسهيلات ضريبية وتخفيضات على الرعاية البيطرية للمواطنين الذين يتبنون الحيوانات، باعتبارهم يُساهمون في تعزيز الصحة العامة والوعي الحضاري ، وهذا على عكس المملكة المغربية حيث يعيش أغلب مواطنيها ظروفًا اقتصادية صعبة، فإن التفكير في فرض رسوم أو ضرائب على من يعتني بالحيوانات يُعد غير عادل ويمس بحقوقهم الانسانية ويُناقض روح المسؤولية الاجتماعية ، وللتنويه أن القانون المغربي لم يتطرق حتى الآن إلى فرض أي ضرائب على مربي الحيوانات، لكن إجراءات التسجيل التي ينص عليها تمهّد لاحقًا لصدور النصوص التنظيمية المكملة التي قد تشمل رسومًا أو ضرائب، وهو ما سيشكل النقاش القادم في حماية الحيوانات والتعامل معها.

من المهم أيضًا الإشارة إلى أن مشروع القانون رقم 19.25، رغم المصادقة الحكومية عليه، لم يُنشر بعد في الجريدة الرسمية، وبالتالي لا يُعتبر نافذًا حتى بعد نشره، فإن المادة 55 تنص بوضوح على أن تنفيذ أحكامه يبقى معلقًا إلى حين صدور النصوص التنظيمية المكملة ، وهذا يمنح فرصة حقيقية للمجتمع المدني والمهتمين بحقوق الحيوان للترافع من أجل تعديل أو توضيح البنود المثيرة للجدل، خاصة تلك التي تُجرّم التدخل الإنساني دون توفير بدائل عملية.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل جاء هذا القانون لحماية الحيوانات الضالة فعلًا، أم لتقييد من يحاول إنقاذها وتجريمه وتغريمه وفرض رسوم ؟ هل تريد الحكومة تنظيمًا عقلانيًا يُراعي الواقع ، أم نصوصًا جامدة تُعاقب الرحمة وتُكافئ الإهمال؟ فالحماية الحقيقية لا تكون بالشعارات بل بالتشريعات المتوازنة التي تضع الإنسان والحيوان في قلب المعادلة، وتُراعي الواقع الميداني، لا فقط النصوص القانونية.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق