
نظم الفنان نور الدين المراكشي، مساء امس الجمعة 5 دجنبر 2025 في تمام الساعة الخامسة مساءً بقصر الباهية بمراكش، معرضًا تشكيليًا فريدًا يمزج بين الفن والفلسفة، تحت عنوان “حروف اختزلت مسار الحياة: الميم، الحاء، والدال”. هذا المعرض، المندرج ضمن فلسفة “الفن الأصتيكي”، يقدم تجربة بصريّة تأملية تستكشف أبعاد الوجود الإنساني من المهد إلى اللحد، في رحلة تلامس حدود الروح والبساطة.الفن الأصتيكي، كما يصفه نور الدين المراكشي، هو دعوة جريئة للتعبير الفني المبسط، بالاعتماد على الأبيض والأسود فقط، تحررًا من الزخرفة والاصطناع الذي يغزو المشهد الفني المعاصر. يسعى هذا الفن إلى ربط الزهد كحالة وجود بالفن كفعل إبداعي، مستندًا إلى خمسة أسس فلسفية تربط بين الروحية والبساطة، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفن والحياة. يستخدم المراكشي الحروف العربية — “الميم” و”الحاء” و”الدال” — كرموز تعبيرية عميقة، مستوحاة من اسم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، لترمز إلى رحلة الإنسان بين الولادة، الحياة، والرحيل. هذه الحروف، ببساطتها وتجريدها، تفتح أفقًا للتأمل في معاني الوجود، وتدعو المشاهد إلى استكشاف مسارات جديدة للتفكير في الذات والكينونة.في لوحاته، يعبر تناغم الأبيض والأسود عن ثنائية الوجود — النور والظلمة، الحياة والموت، الفرح والحزن — ويعزز الفن الأصتيكي الالتزام البيئي بتقليل الوسائل ومضاعفة المعاني، في إشارة إلى ضرورة ترشيد الإبداع وتخفيف أثره على العالم. يسعى المراكشي من خلال “المحمديات”، مجموعة لوحات المعرض، إلى مد جسر بين المقدس والمدنس، بين الماضى والحاضر، مؤكدًا أن الإبداع والجمال والتوافق تجد جذورها في ثقافتنا، وأن الفن الحقيقي هو الذي يلامس جوهر الإنسان. كما يدافع المراكشي عن استقلال الفن العربي، محذرًا من خطورة الفن المستورد والمستهلك بشكل أعمى الذي يخنق المبادرة الإبداعية المحلية. يرى أن الفن العربي يجب أن يعبر عن نفسه بخصائصه الخاصة، ليعلن هويته ويفرض نفسه في المشهد العالمي، مؤكدًا: “لا يوجد فن واحد، بل فنونا. لكل شعب رؤيته، ولكل فنان بصمته.”هذا المعرض، الذي يمتد لفترة محدودة بقصر الباهية، فرصة للتأمل في هشاشة الحياة ومعانيها العميقة، وللتساؤل عن دور الفن في البحث عن الذات والتواصل مع جوهر الوجود. بإخلاص فني، يقودنا نور الدين المراكشي إلى فضاءات من الصمت والتأمل، حيث تصبح الحروف رموزًا للحياة بكل بساطتها وعظمتها، دافعًا إيّانا إلى اكتشاف ما وراء السطور.

