هذه ليست حبكة من فيلم عن عصور غابرة، ولا مشهداً من زمن انتهى، بل مأساة إنسانية تتداول من جماعة الغيات بإقليم آسفي، بطلتها مسنة تدعى «مي حسبية»، وجدت نفسها في مواجهة قسوة الحياة داخل مغارة تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم.
في المكان الذي يفترض أن تكون فيه الدولة الاجتماعية عنواناً للحماية والرعاية، تبدو «مي حسبية» وكأنها خارج خريطة الزمن.
لا ماء، لا إنارة، لا سكن لائق، ولا مؤشرات واضحة على حياة تليق بامرأة بلغت من العمر عتياً.
لكن ما يجعل هذه القصة أكثر إيلاماً ليس المغارة وحدها، بل ما نسب إلى المسنة من حديث عن اضطرارها، تحت وطأة الجوع، إلى أكل التراب. أي مرحلة من العوز يمكن أن تدفع إنساناً في الثمانين إلى بلوغ هذه الحافة؟ وأي صمت يمكن أن يسمح باستمرار مأساة كهذه؟
هنا تسقط كل الكلمات الكبيرة دفعة واحدة.
تسقط الشعارات عندما تصبح امرأة مسنة عاجزة عن تأمين وجبة بسيطة. ويسقط الحديث عن العدالة المجالية عندما تختبئ حياة كاملة خلف جدران مغارة. وتسقط لغة الأرقام والمشاريع حين يعجز الإنسان الأكثر هشاشة عن الوصول إلى أبسط حقوقه في العيش بكرامة.
القضية، ليست مجرد مسنة تحتاج إلى مساعدة عابرة، ولا قصة تستحق التعاطف لبضع ساعات على مواقع التواصل الاجتماعي. إنها إنذار صارخ يستوجب تحركاً ميدانياً عاجلاً للتحقق من وضعها، ومعرفة ظروف عيشها، وتحديد حاجياتها الصحية والغذائية والاجتماعية، ثم ضمان انتقالها إلى فضاء آمن يحفظ كرامتها.
والأهم أن لا تنتهي القصة عند تقديم قفة غذائية والتقاط صورة أمام الكاميرا.
«مي حسبية» تحتاج إلى حل يحميها، لا إلى لقطة تستثمر مأساتها.
فإذا كانت امرأة في الثمانين قد وصلت إلى مرحلة يصبح فيها التراب، بحسب روايتها المتداولة، جزءاً من مواجهة الجوع، فإن السؤال لم يعد موجهاً إليها وحدها، بل إلى كل من يستطيع التدخل لحمايتها.
كم «مي حسبية» أخرى تعيش بعيداً عن الكاميرات؟
وكم مغارة أخرى تخفي خلف ظلامها قصصاً لم تصل بعد إلى الهاتف الذي يستطيع تصويرها؟
إنقاذ هذه المرأة ليس منّة من أحد، بل واجب إنساني وأخلاقي.
أما تركها وحيدة في مواجهة الشيخوخة والجوع، فسيجعل من هذه المغارة شاهداً صامتاً على معاناة لا ينبغي أن تُقبل أو تُطبع معها الأعين.
فالكرامة لا تقاس بالشعارات
وإنما بما يحدث عندما لا يكون هناك أحد ليراقب
سيداتي بيدا




