وزير العدل يشعلها: بين أزمة مهنة المحاماة وحقوق المتقاضي.. والواقع القضائي يسائل منظومة التشريع بالمغرب

ابراهيم
أحداثالوطنية
ابراهيممنذ ساعتينآخر تحديث : منذ ساعتين
وزير العدل يشعلها: بين أزمة مهنة المحاماة وحقوق المتقاضي.. والواقع القضائي يسائل منظومة التشريع بالمغرب

تشهد الساحة القانونية والقضائية في المغرب فصلاً من فصول التوتر المحتدم بين وزارة العدل وأصحاب البدلة السوداء؛ وهو سجال تجاوز حدود النقاش التشريعي المؤسساتي ليتحول إلى مواجهة مفتوحة ترخي بظلالها القاتمة على السير العادي للمرفق القضائي، وتتجه اليوم نحو ذروة حرجة مع خوض المحامين إضراباً إنذارياً شاملاً عن تقديم الخدمات المهنية طيلة أسبوع كامل يمتد من يوم الإثنين المقبل من شهر يونيو الحالي وفق ما أوردته مصادر مهنية، في خطوة لا تعكس فقط حجم الاحتقان المتراكم بل تؤشر على دخول منظومة العدالة نفق الشلل الذي يهدد مصالح المتقاضين بانتكاسة حقوقية واجتماعية .

ويقع في قلب هذا الصراع المستعر مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بإعادة تنظيم مهنة المحاماة، مدعوماً بالتعديلات الجدلية الموازية في مشروعي قانون المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، حيث تتأسس الرؤية التي يبني عليها المحامون جدار رفضهم لهذه المشاريع على هواجس حقيقية تمس في العمق حصانة الدفاع واستقلالية المهنة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للمحاكمة العادلة، إذ يرى الفاعل المهني أن المقتضيات المقترحة، ولاسيما في شقها المتعلق بآليات ضبط الجلسات وتوسيع صلاحيات النيابة العامة والقضاء في تفعيل المتابعات التأديبية بشكل مباشر وسريع، تشكل تراجعاً حقوقياً وتوجهاً يُنظر إليه داخل الأوساط المهنية على أنه قد يؤدي إلى تقليص الدور التقليدي لمؤسسة النقيب وهيئات المحامين في تدبير شؤون المهنة، يضاف إلى هذا البُعد الحقوقي تضييق اقتصادي ومهني مستمر يتجلى في النزوع نحو تقليص اختصاصات المحامين في تحرير العقود لفائدة مهن توثيقية أخرى، مما يهدد الاستمرارية المالية لآلاف المكاتب خاصة في ظل الطفرة العددية لولوج الخريجين الشباب للمهنة.

وفي مقابل المقاربة المهنية، تواجه السلطة التنفيذية انتقادات متزايدة بسبب ما تعتبره هيئات المحامين محدودية المقاربة التشاركية المعتمدة في إعداد نصوص مصيرية تهم أسرة القضاء، وقد تعمق هذا الشرخ بشكل راديكالي إثر التصريحات الأخيرة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي تحت قبة مجلس المستشارين بشأن منظومة المساعدة القضائية، وهي التصريحات التي كشف فيها عن أرقام ومبالغ مالية قال إنها تُصرف لفائدة محامين في إطار هذا النظام، وهو ما لا يمكن فصله عن سياق التوتر القائم بين الطرفين، فبرغم أن حكامة وتطهير المال العام يعدان مطلباً مجتمعياً لا خلاف عليه، إلا أن هذه التصريحات قُرئت من طرف جزء من الجسم المهني باعتبارها مساهمة في تأجيج الجدل العمومي حول المهنة والتأثير على صورتها لدى الرأي العام، عبر التركيز على جانب الإنفاق المالي المرتبط بالمساعدة القضائية دون إبراز الأدوار الحقوقية والاجتماعية التي تضطلع بها المحاماة في ضمان حق التقاضي للفئات الهشة، ليتجلى بوضوح كيف تحول الخلاف من نقاش تقني تشريعي إلى أزمة امتدت لتشمل الاعتبار المهني والرمزي للمهنة.

إن هذا التشنج المستمر الذي يتوج اليوم بالإضراب الإنذاري الشامل، يسائل بالضرورة جودة الصناعة التشريعية في المملكة والمستقبل الحقوقي لها، خصوصاً بعد دخول مؤسسات دستورية كبرى على خط الجدل مثل مجلس المنافسة الذي حاول مراجعة شروط الولوج وقواعد المنافسة بنظرة اقتصادية بحتة تتجاهل بحسب منتقديه الطبيعة الحقوقية الاستثنائية للمهنة، ليبقى الإصرار الحكومي على المضي في المشاريع بصيغتها الحالية رغم استمرار التحفظات المهنية بشأنها مقاربة قد تفضي إلى تعميق الخلاف حول هذه النصوص وإضعاف فرص تحقيق توافق واسع حولها، وهو ما قد ينعكس على السير العادي للمرفق القضائي وعلى مصالح المتقاضين، ليبرز في الختام أن المخرج الوحيد من هذا النفق يتطلب تنازلاً متبادلاً يبتعد عن لغة التصعيد والوعيد داخل قبة البرلمان، ويعيد الاعتبار للمحاماة كشريك أصيل في صنع العدالة ضمن منظومة مؤسساتية متكاملة.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق