يشهد إقليم إفران، مع كل موجة تساقطات ثلجية مهمة، هجرة جماعية مكثفة لآلاف الزوار القادمين من مختلف جهات المملكة، في مشهد بات يتكرر مع هذه التساقطات ويحوّل المنطقة إلى قبلة سياحية شتوية بامتياز، لكنه في المقابل يطرح إشكالات حقيقية تتجاوز الفرجة والاستجمام، لتلامس حدود الاختناق المروري، وضغط البنية التحتية، ومعاناة الساكنة المحلية.
فعند كل تساقطات ثلجية تعرف المحاور الطرقية خاصة الطرق الرابطة بين آزرو، إفران، وتيمحضيت،( جبل هبري وميشليفن ) اكتظاظاً غير مسبوق، حيث تتحول الرحلة التي لا تتجاوز عادة دقائق معدودة إلى ساعات طويلة من الانتظار، وسط طوابير ممتدة من السيارات، وارتباك واضح في حركة السير.
هذا الوضع الذي يستدعي تعبئة شاملة لمختلف المتدخلين، من سلطات محلية وإقليمية، وعناصر الأمن الوطني والدرك الملكي، إلى جانب لجنة اليقظة الإقليمية ووزارة التجهيز والماء والنقل، التي تكثف تدخلاتها عبر آليات إزالة الثلوج، وتنظيم السير، وتأمين المحاور الحيوية، غير أن هذه الجهود على أهميتها، تصطدم بواقع بنية تحتية محدودة لا تتحمل هذا العبء المفاجئ والثقيل من الزوار.
وفي خضم هذا المشهد، تغيب في كثير من الأحيان معاناة الساكنة المحلية عن دائرة الاهتمام، فبالنسبة لسكان الإقليم والدواوير المجاورة، لا يتعلق الأمر بنزهة موسمية بل بحياة يومية تتعطل، موظفون وعمال وطلبة يجدون أنفسهم غائبين قسراً عن أعمالهم ومؤسساتهم بسبب شلل المرور، ومرضى يواجهون صعوبة في الوصول إلى المراكز الصحية، وساكنة قروية تحتاج إلى فك العزلة وإيصال التموينات الأساسية إلى دواويرهم وماشيتهم، في وقت تُغلق فيه الطرق أو تُستنزف طاقتها الاستيعابية بسبب تدفق الزوار.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول غياب رؤية استباقية شاملة لتدبير السياحة الشتوية بالإقليم بما يحقق التوازن بين تشجيع السياحة الداخلية والاستفادة منها من قبل الجماعات وضمان حق الساكنة في التنقل والحياة الكريمة، فالهجرة الجماعية غير المؤطرة رغم ما تحمله من دينامية اقتصادية ظرفية، تكشف هشاشة التخطيط المجالي، وغياب بدائل طرقية، ومرافق استقبال منظمة، وآليات واضحة لتدبير تدفقات الزوار في فترات الذروة.
إن ما يحدث في إفران ليس مجرد ضغط موسمي عابر، بل مؤشر على أزمة بنيوية تتكرر كل موسم شتاء، وتفرض إعادة التفكير في نمط تدبير هذه الوجهة السياحية عبر الاستثمار في البنية التحتية الطرقية، وتوسيع محاور العبور وإحداث فضاءات منظمة للاستقبال والتوقف، إلى جانب حملات تحسيسية تحث الزوار على احترام خصوصية المنطقة وساكنتها.
وبين بياض الثلج الذي يجذب العدسات وثقل المعاناة اليومية التي لا تُلتقط في الصور يبقى إقليم إفران في حاجة ماسة إلى حلول مستدامة تجعل من السياحة رافعة تنموية حقيقية، لا عبئاً موسمياً يتكرر مع كل تساقط للثلوج.
المصطفى اخنيفس




