

ظلت البئر الجديد وردة المنطقة بين آزمور والدار البيضاء حتى بداية الثمانينات ومنذ العقد الثاني من عهد الحماية، حيث عاشت جزءا مهما من تاريخ منطقة ولجة شمال أم الربيع وجنوب الشاوية وارتبطت المدينة بفلاحة وثيقة مع الفضاءات الاقتصادية المجاورة المنتعشة زراعيا وفلاحيا وشكلت سوقا رائجا لليد العالمة المياومة بالضيعات الفلاحية الزاهية ومزودا للمنطقة بالحاجيات الفلاحية نظرا لتموقعها فوق تراب قبيلة الشياظمة الموزعة على جماعات المهارزة الساحل، هشتوكة، لغديرة على بعد حوالي أرعين كيلومتر من العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وهي صلة وصل بين الشاوية ودكالة وشكلت منذ عهود الحماية قطبا رئيسيا لدكالة. كما تعتبر حاليا بوابة إقليم الجديدة تأسست عام 1919 على يد الفرنسي شقان Chavan وكان الحدث هو تشييد أول مساحة خضراء في عاصمة دكالة ألا وهي الحديقة التي تحمل اسمه حاليا في ملكية زميله الثري -اتويليلا إميل – التي بنيت عليها مرافق المدينة ابتداء من 1920 والتي لازالت شاهدة إلى يومنا هذا على الطابع المعماري الفرنسي، رغم تلاشي معظمها كالمركز الصحي الحالي ومكتب البريد والكنيسة التي تحولت إلى مركز للتعاون الوطني وداخلية وثانوية الإمام البخاري والمقبرة الفرنسية وحسب قول أحد معمري المدينة الذي كان خادما في بيت اتويليلا إميل كان الفرنسيون يعقدون موسم دار المنصر مرة في السنة لسباق الخيول والجمال علاوة على كون البئر الجديد أول منطقة بالمغرب احتضنت أول سباق للدراجات الهوائية والسيارات كما أن أول فريق لكرة القدم بالمغرب تأسس بالبئر الجديد.
ويذكر أن المدينة سماها الفرنسيون – سانت اوبير – وكانت قرية مستعمرة فرنسية خاصة بالمعمرين وحدهم فيما كان المغاربة سكان دوار المهارزة تفضلهم مسافة ألف متر على القرية، وتربطهم بالمعمرين علاقة العمل عندهم والتزود بحاجياتهم من المرافق الاقتصادية للمدينة، إلا أن هذه التحفة ذات الموقع الاستراتيجي المهم التي سحرت أنظار الأوربيين في الماضي وكانت قبلة للرياضيين والفنانين والفلاحين والصيادين والقناصين والمولعين بروعة الطبيعة باتت اليوم تعاني من نقص حاد في التجهيزات الأساسية والمرافق الضرورية ومجالات الصحة والتعليم والمواصلات، وبنموها الديمغرافي المضطرد أصبح مجتمعها يواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية جمة أمام غياب مجلس منتخب يحمل مشروع جدي للمدينة.
مجال التعليم:
تتوفر المدينة على خمس مؤسسات تعليمية ابتدائية أكثرها تضررا مدرسة الداخلة المجاورة من معمل ينفث أدخنته على التلاميذ، دون تفكير في معالجة الظاهرة وبما أن المدرسة كانت في عهد الحماية مستودعا فلاحيا فإنها تشكو حاليا من تردي قاعات الدرس وتدهور مرافقها الصحية وسوء فضاءاتها عموما، كما تضم البئر الجديد ثلاث إعداديات لا تلبي الطلب المتزايد عليها كل سنة، أما ثانوية الإمام البخاري الوحيدة بالمدينة فيعود تشييدها إلى عشرينيات القرن الماضي وفي حاجة إلى إخراجها من واقعها المتدني، و يقول ناشط بجمعية آباء وأولياء التلاميذ “المدينة في أمس الحاجة إلى إحداث ثانوية جدية بالمواصفات المطلوبة وإلى خزانة بلدية تساعد جميع تلاميذ المدينة على اكتساب المعارف اللازمة”.
مجال الصحة:
لا تتمتع المدينة سوى بمستوصف وحيد ينقصه التجهيز ووسائل العمل الضرورية ويشكو من قلة الممرضين نظرا لإحالة عدد من طاقمهم على سن التقاعد ورغم شساعة المدار الحضري للبئر الجديد وتواجد أكثر من ست صيدليات موزعة على أحياء المدينة فإن هذه الأخيرة لا تتوفر على صيدلية ليلية حيث يتعذر على الساكنة اقتناء الأدوية بعد غروب الشمس مما أدى في السابق إلى حالات موت بالنوبات الحادة والمفاجئة قبل إحضار الدواء من الدار البيضاء حسب قول أحد المواطنين من أبناء المدينة، بالإضافة إلى غياب مراكز الهلال الأحمر المنعدمة بالمدينة.
مجال المواصلات:
مكتب البريد بالمدينة لا يلبي رغبات الزبناء الوافدين عليه ولا يشتغل به سوى أربعة موظفين معظمهم لا يحترم قانون التوقيت المستمر هدا البريد الوحيد أضحت به أحياء المدينة كأنها بدون ساعي بريد ، مما يحرم السكان من الخدمة المطلوبة من هذه المؤسسة التي ينقص عنصرها البشري الكفاءة المهنية في التعامل مع الحاسوب وسرعة الأداء والتجاوب الإيجابي مع المواطنين.
مجال النقل:
تفتقر البئر الجديد إلى محطة طرقية مناسبة لسيارات الأجرة الصغيرة (طاكسيات) أو محطة الحافلات وفي غيابها تتفشى ظاهرة الفوضى والارتجالية ويسود الازدحام والضوضاء، حيث لاحظنا ونحن نتجول بأرجاء وسط المدينة أكثر من أربع محطات عشوائية للطاكسيات بشارع محمد الخامس وشارع الحسن الثاني وقرب مقر دار البلدية وأمام حديقة شافان، بالإضافة إلى تباين تسعيرة النقل فيما بين سائقي الطاكسيات أنفسهم يقول جواد الراشدي تلميذ انتقل يوميا تقريبا إلى سكننا باثنين هشتوكة مرة أدفع 10 دراهم ومرات عديدة أدفع 7 دراهم ويقول الأستاذ م.م المتنقل يوميا نحو الجديدة، أفضل انتظار الحافلة كون تسعيرة الطاكسيات غير قارة أو رسمية وتسود الفوضى داخل هذه المحطات العشوائية.
المساحات الخضراء:
باستثناء حديقة شفان وبعض الشجيرات المتناثرة أمام دار البلدية ودور السكن الوظيفي وداخل ملعب كرة القدم، تنعدم المناطق الخضراء بالمدينة في غياب الحس البيئوي بالمنطقة.
مجال التطهير والماء والكهرباء:
مضخة تصريف الواد الحار لا تلبي حاجيات المدينة ككل والواد الحار بصفة عامة في حاجة لتطويره نظرا لعدم قدرته على استيعاب المياه الأخرى مما يؤدي إلى إغراق بعض الحياء والمؤسسات التعليمية المنتصبة في واد ميت مع بداية كل موسم مطري حيث تتجمع المياه مكونة لبرك مائية وضايات واسعة تحول دون مرور السيارات أو الراجلين بالشوارع والأزقة التي تغزوها الأوحال.
وحسب أحد شباب المدينة فإن حي الذي يقطنه لم تتجدد أسلاكه الكهربائية منذ 1976 مما يشكل خطرا على الأطفال والمارة جميعا لكونها عارية وفي كثير من الأحوال ينقطع التيار عن السكان ويؤدي إلى إتلاف تجهيزاتهم المنزلية الكهربائية، وقد عبر ح.ع أستاذ ورئيس جمعية لساكنة أن حيهم يشكو من الانقطاعات المتوالية للتيار بدون سابق إعلان، وقد ازداد على ذلك غلاء الفواتير الكهربائية للشهور الثلاثة الأخيرة، وكذا حرمان ساكنة الطابق الأول بالتجزئة من التزود بالماء الصالح للشرب أيام العطل الأسبوعية والرسمية، نظرا لضعف تجهيزات الخزان البلدي المائي العاجز عن إيصال الصبيب إلى الساكنة المتواجدة بأحياء المسؤولين المعنيين بهذا الشأن وقد تقدم السكان بشكاية في الموضوع وينتظرون الجواب.
البطالة:
في غياب خلق منطقة صناعية بالمدينة وتأزم وضعية الفلاحة بالضاحية وتراجع سوق الشغل بالضيعات الزراعية يعيش شباب المدينة وكهولها أزمة خانقة.
خاصة وان معظم ساكنة البئر الجديد ينتمي لأسر معوزة وفقيرة يستعصي على كثير منها كسب قوتها اليومي.
هنا ينبغي ملاحظة أن إهمال الدلالات الإستراتيجية والاقتصادية والبنيوية للبئر الجديد وعلاقتها بمحيطها قد أدى إلى إغفال دلالة المدينة والقدرة على ربطها بالطراز الاستثماري والحضري الخاص بها والتي هي جديرة به بحكم توفرها على موقع هائل، بمعنى أنها بنية أو لبنة تاريخية معروفة خارج الحدود خاصة بفرنسا ولازال أبناؤها الفرنسيون يتفقدونها إلى الآن وتحتوي على معان تشتمل في آخر الأمر على دلالة مثل إيفران أو القنيطرة.
إنجاز : مراسلة القناة مريم البيرجديدية




