هل يحق لشركة توزيع الماء أن تسحب العداد دون إشعار
في أحد الأحياء، يعيش مواطن بسيط في بيته منذ سنوات. لم يتوصل بأي فاتورة ماء منذ أكثر من 5 سنوات. لا يدري كم تراكم عليه من المبالغ، ولا كيف يطالب بها. لم يرفض الدفع يوما، ولكنه لم يُخاطب. وفجأة، وبدون سابق إخطار، تفاجأ بأعوان الشركة يدخلون إلى محيط بيته، وينزعون العداد، وينصرفون.
وهنا يُطرح السؤال الكبير. هل يحق لمكتب الماء أن يُقدم على هذا الفعل. وهل عدم أداء الفواتير وإن طال أمده يسقط عن المواطن حقه في المعاملة القانونية.
أولا : قطع التزويد بالماء بين القانون والواقع
من الناحية القانونية، لا يمكن إنكار أن أداء فواتير الماء واجب تعاقدي على الزبون، ويعد الامتناع عنه إخلالا ببنود العقد الذي يربطه بمؤسسة التوزيع. لكن هذا الواجب لا يسقط الحقوق الأساسية في الإشعار والمعاملة القانونية، وأول هذه الحقوق الحق في الإعلام.
لقد نص القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك في مادته 3 على ما يلي
لكل مستهلك الحق في الإعلام بكل ما من شأنه أن يساهم في قراره التعاقدي أو يمكنه من استعمال المنتوج أو الاستفادة من الخدمة في أحسن الظروف
وبناء على ذلك، فإن عدم التوصل بالفواتير، أو تغييب وسائل الإشعار، يُعد تقصيرا من المزود، وليس من الزبون. وبالتالي لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية ما لم يُبلّغ به أصلا.
ثانيا : هل نزع العداد تصرف قانوني
العديد من المواطنين يخلطون بين قطع الخدمة ونزع العداد. فالأول قد يعتبر إجراء تقنيا مؤقتا يتخذ بعد توجيه إنذار قانوني كتابي، ويهدف إلى دفع الزبون نحو تسوية وضعيته. أما الثاني، فهو تصرف جسيم يرقى إلى مصادرة شيء يرتبط بحق الملكية.
إن العداد وإن كان مثبتا من طرف الشركة، إلا أنه يُدرج ضمن ملحقات الخدمة التي تُمنح للزبون بعقد واضح، وغالبا ما يُؤدى مقابلها عند بداية الاشتراك.
لذلك فإن نزع العداد يُعد بمثابة فسخ تعسفي للعقد، بل وتعد على ممتلكات الزبون دون حكم قضائي.
ويُعزز هذا الطرح ما ورد في المادة 15 من قانون حماية المستهلك، والتي تنص على أن
الشروط التعسفية في العقود تعتبر باطلة وعديمة الأثر، ولا يمكن التذرع بها في مواجهة المستهلك
فإذا كان من التعسف نزع العداد دون إشعار أو دون منح مهلة لتسوية الوضع، فإن هذا الفعل يُصبح غير مشروع، بل وقد يرتب مسؤولية قانونية على الجهة التي قامت به.
ثالثا : موقف القضاء المغربي
لقد صدرت أحكام قضائية في مدن مغربية مثل تطوان ومراكش، قضت بإدانة شركات توزيع الماء والكهرباء التي أقدمت على نزع العدادات دون سند قانوني، وألزمتها بإرجاع العداد وتعويض المتضرر ماديا.
وفي إحدى القضايا، قضت المحكمة بتعويض أحد المواطنين بمبلغ 12000 درهم، بعد أن ثبت أن الشركة لم توجه له أي إشعار، وقامت بنزع عداده بشكل انفرادي ودون مسطرة قانونية.
رابعا : ما الذي يحق للمواطن فعله
إذا تعرض المواطن لسحب عداد الماء دون سابق إشعار قانوني، فإن له الحق في
طلب معاينة قضائية بواسطة مفوض قضائي لتوثيق واقعة السحب
مراسلة الشركة المعنية وطلب نسخة من العقد وجرد المستحقات
رفع دعوى أمام المحكمة الابتدائية من أجل المطالبة بإرجاع العداد والتعويض
اللجوء إلى جمعيات حماية المستهلك للحصول على المرافقة القانونية والدعم.
في الأخير…
إن أداء الفواتير واجب تعاقدي، لكنه لا يبرر المساس بحقوق المواطن. والحق في الماء ليس مجرد خدمة تجارية، بل هو حق أساسي متصل بكرامة الإنسان. ومن واجب المؤسسات العمومية أن تحترم الإجراءات القانونية، وأن تتعامل مع الزبون باعتباره طرفا متعاقدا، لا مجرد رقم في سجل ديون.
لا يجوز أن يُسحب عداد الماء دون إشعار، ولا أن تُمارس سلطة التوزيع كأداة عقاب جماعي.




