الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026،بين طموح كسب رهان التغيير ومقاومة السلوكات السلبية

ابراهيم
الوطنيةسياسةقضايا عامة
ابراهيممنذ 4 ساعاتآخر تحديث : منذ 4 ساعات
الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026،بين طموح كسب رهان التغيير ومقاومة السلوكات السلبية

مما لا يختلف حوله اثنان ان الاستحقاقات النيابية لسنة 2026 تاتي في ظرفية خاصة،وفي سياق وطني استثنائي، يتزامن مع مرحلة حاسمة تتعلق باتخاذ التدابير الكفيلة بتنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، في ضوء القرار الأممي 2797، ووفق رؤية سياسية واضحة المعالم . كما تتزامن هذه المرحلة مع انخراط المملكة المغربية في التحضيرات الكبرى لإنجاح العرس الكروي العالمي المتمثل في احتضان نهائيات كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
إن هذا التلاقي بين التحديات السياسية الداخلية والاستحقاقات الدولية الكبرى يفرض إعادة طرح أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة النخب السياسية، ومستوى المشاركة المواطنة، ومعايير اختيار من يتولى تدبير الشأن العام.
فالمرحلة الراهنة لم تعد تحتمل استمرار منطق الريع السياسي أو هيمنة المال الانتخابي، بل تستوجب إعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره مسؤولية وطنية نبيلة، تقوم على الكفاءة والنزاهة وخدمة المصالح العليا للوطن.
إن مشروع الحكم الذاتي ليس مجرد إجراء إداري أو تقني، بل يُعد خيارًا جيوسياسيًا واستراتيجيًا يرتبط بمكانة المغرب إقليميًا ودوليًا. ومن ثم، فإن نجاح هذا الورش الوطني رهين بوجود تمثيلية سياسية واعية بقضاياه وأبعاده، وقادرة على الدفاع عنه داخل المؤسسات الوطنية وفي المحافل الدولية.
غير أن الواقع يكشف، في كثير من الأحيان، عن اختلالات بنيوية في المشهد السياسي، حين يصبح المال محددًا أساسيًا في العملية الانتخابية، على حساب الكفاءة والفكر والخبرة. وهو ما يؤدي إلى إفراز مؤسسات ضعيفة لا تستطيع مواكبة مشاريع وطنية كبرى بحجم ورش الحكم الذاتي.
لقد أصبحت بعض الممارسات السياسية تُدار بمنطق المال والنفوذ، بدل أن تُدار لخدمة المال العام والصالح العام . وتغيير هذه المعادلة يقتضي تغيير العقليات والسلوكيات، من المواطن البسيط إلى المسؤول المنتخب، لأن السياسي الحقيقي هو من يمتلك تأثيرًا فكريًا ومعرفيًا وأخلاقيًا، لا مجرد نفوذ مالي عابر.
ومن هنا، فإن أزمة التمثيل السياسي ليست مسؤولية طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين المواطن والنخبة على حد سواء. فالمقاطعة السلبية تترك المجال فارغًا أمام خصوم الإصلاح، كما أن بيع الأصوات الانتخابية يساهم في إعادة إنتاج الممارسات نفسها. والنتيجة هي تحول العمل السياسي والجمعوي لدى بعض الفئات إلى وسيلة للارتزاق وتحقيق المصالح الشخصية.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المثقفين والكفاءات الوطنية من المسؤولية، لأن الانسحاب من المشهد السياسي وترك المؤسسات فارغة يفسح المجال لاستمرار الوجوه والممارسات ذاتها. لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الانخراط في المؤسسات الدستورية وتجديد النخب عبر المسار الديمقراطي، لا الاكتفاء بموقع المتفرج أو المنتقد من الخارج.
فالسياسة ليست مجرد شعارات انتخابية موسمية، بل هي علم وفن لتدبير شؤون الدولة والمجتمع. وهي تقتضي فهم القوانين، واستيعاب التحولات الدولية، وحماية المصالح الوطنية، والتعامل مع العالم بمنطق التوازنات والمصالح المشتركة.
ومن ثم، فإن السياسي الحقيقي ينبغي أن يكون ملمًا بالتاريخ والاقتصاد والعلاقات الدولية والجغرافيا السياسية وواقع المجتمع الذي يمثله، لأن قراراته تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستقبل الوطن.
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتنامي وعي الأجيال الجديدة، لم يعد ممكنًا استغفال المواطن بالشعارات الفضفاضة أو الوعود العابرة، بل أصبح الناخب أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الواقعي والخطاب الشعبوي، وأكثر بحثًا عن الكفاءة والوضوح والمصداقية.
وقد أثبت الشباب المغربي حضوره في مختلف النقاشات المجتمعية والمبادرات الميدانية، غير أن المرحلة الحالية تقتضي الانتقال من مجرد التفاعل مع الواقع إلى المساهمة الفعلية في صناعته من داخل المؤسسات.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى نخبة شابة نزيهة، تجمع بين الكفاءة العلمية والخبرة العملية، وتسترشد بحكمة الوطنيين الصادقين، وتؤمن بقيم العمل والإنتاج وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتكمن القوة الحقيقية للمغرب في رأسماله البشري، خاصة شبابه داخل الوطن وخارجه، القادر على مواكبة الرؤية الاستراتيجية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ، وطموحات ولي العهد الأمير مولاي الحسن.
ومن أجل كسب رهانات المرحلة المقبلة، تبرز مجموعة من الأولويات الأساسية، من بينها:
التسجيل المكثف في اللوائح الانتخابية قبل 16 يونيو 2026، باعتباره الخطوة الأولى نحو التغيير.
المشاركة الواسعة والمسؤولة في الاستحقاقات المقبلة، ورفض منطق بيع الأصوات والمتاجرة بالإرادة الشعبية.
تشجيع الكفاءات الشابة النزيهة على الترشح، والعمل على تجديد النخب السياسية.
تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وطرح سؤال: “من أين لك هذا؟” لمحاربة الإثراء غير المشروع والفساد.
تعزيز الوعي المجتمعي حتى يظل العمل السياسي والجمعوي في خدمة الصالح العام والثوابت الوطنية، لا وسيلة للارتزاق وتحقيق المصالح الضيقة.
وخلاصة القول، إن المغاربة أصبحوا يتطلعون إلى مرحلة جديدة عنوانها الكفاءة والنزاهة والوضوح وتحمل المسؤولية، بعيدًا عن الصراعات العقيمة والشعارات الفارغة.
فالتاريخ لا يصنعه المتفرجون، بل يصنعه أولئك الذين يمتلكون الشجاعة للنزول إلى الميدان والمساهمة في صناعة القرار. ولذلك، فإن مستقبل المغرب الديمقراطي رهين بمدى قدرة الشباب والكفاءات الوطنية على الحضور الفاعل داخل المؤسسات، والمشاركة الجادة في بناء مغرب الغد.

بقلم الأستاذ الكاتب: الحسن لحويدك رئيس جمعية الوحدة الترابية بجهة الداخلة وادي الذهب

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق