تعود مسألة العقوبات التأديبية التي تطال أعوان السلطة، خصوصًا فئة “المقدمين”، إلى واجهة النقاش من جديد، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى عدالتها وإنصافها. فبين مقتضيات الانضباط الإداري وضرورة الحفاظ على كرامة العاملين في هذا القطاع، يبرز إشكال يراه كثيرون غير منطقي: توقيف الأجر مع الاستمرار في أداء المهام.
ففي حالات معينة، يتعرض بعض أعوان السلطة لعقوبات تأديبية تقضي بتوقيف أجورهم لمدة شهر أو أكثر، تبعًا لطبيعة المخالفة المسجلة في حقهم. غير أن ما يثير الاستغراب هو أن هذا الإجراء لا يترافق غالبًا مع إعفائهم مؤقتًا من العمل، إذ يُطلب منهم مواصلة أداء مهامهم اليومية بشكل عادي، وكأن العقوبة تقتصر فقط على الجانب المالي دون غيره.
هذا الوضع يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى انسجام هذه العقوبة مع مبادئ العدالة المهنية. فالمقدم، الذي يُعد حلقة أساسية في منظومة الإدارة الترابية، مطالب بالحضور الميداني المستمر والتواصل المباشر مع المواطنين، إضافة إلى القيام بمهام إدارية واجتماعية متعددة. غير أن حرمانه من أجره، الذي يمثل في كثير من الحالات مصدر رزقه الوحيد، قد يضعه أمام وضع اجتماعي صعب، خصوصًا إذا كان يعيل أسرة أو يواجه التزامات معيشية يومية.
ويؤكد متتبعون للشأن المحلي أن أعوان السلطة يؤدون أدوارًا محورية في تدبير الشأن الترابي، فهم العين القريبة للإدارة داخل الأحياء والدواوير، ويساهمون في تتبع القضايا الاجتماعية، وتنفيذ التعليمات الإدارية، والمشاركة في الحفاظ على النظام العام. ومع ذلك، فإن طبيعة عملهم تظل في كثير من الأحيان مرتبطة بظروف ميدانية معقدة وضغط يومي كبير.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن لعون سلطة أن يستمر في أداء واجباته المهنية دون أجر خلال فترة العقوبة؟ وهل من المنصف أن يتحمل تبعات مالية قاسية في الوقت الذي يواصل فيه خدمة الإدارة والساكنة على حد سواء؟
ويرى عدد من المهتمين أن العقوبات التأديبية، رغم أهميتها في ضمان الانضباط الإداري، ينبغي أن تكون متوازنة وتراعي البعد الاجتماعي والإنساني، حتى لا تتحول إلى مصدر معاناة لفئة تعتبر من الركائز الأساسية في الإدارة الترابية.
وأمام هذا النقاش المتجدد، تتجه الأنظار إلى الجهات الوصية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية ومديرية الشؤون الداخلية وكذا مديرية الولاة، من أجل إعادة النظر في طبيعة هذه الإجراءات التأديبية، بما يضمن تحقيق التوازن بين مبدأ المساءلة وحماية الكرامة الاجتماعية لأعوان السلطة.
فإصلاح مثل هذه الاختلالات المحتملة لا يندرج فقط في إطار تحسين ظروف العمل، بل يساهم أيضًا في تعزيز الثقة داخل منظومة الإدارة الترابية، وتمكين أعوان السلطة من أداء مهامهم في ظروف أكثر استقرارًا وعدالة.
أعوان السلطة بالمغرب بين الواجب والعقوبة.. توقيف الأجر واستمرار العمل يثير الجدل

رابط مختصر



