كان يفترض أن يكون موسم مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة فضاءً للاحتفاء بالتراث والفن والثقافة، فإذا بأجواء الندوة الصحفية الختامية تتحول إلى مشهد مشحون أعاد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الحساسية: أين تنتهي حرية الفنان، وأين تبدأ حرمة الصحافة؟
الخلاف الذي اندلع بين الفنان الشعبي سعيد ولد الحوات وأحد المراسلين، على خلفية نقاش مرتبط بولوج الفنان إلى القاعة، لم يبقَ في حدود الاختلاف العابر. فقد تصاعد التوتر بسرعة، قبل أن تتحدث روايات متداولة عن صدور تصرف غير لائق تمثل في البصق باتجاه منصة الصحفيين.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة لا تعود مجرد لحظة غضب أو سوء تفاهم، بل تصبح سلوكاً يستوجب التوقف عنده بمسؤولية، بعيداً عن منطق الاصطفاف والتبرير.
الفنان مهما بلغت شهرته ليس فوق النقد، والصحفي مهما كان موقعه ليس فوق المساءلة. تلك هي القاعدة التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين الطرفين. أما تحويل الاختلاف إلى إهانة أو مواجهة شخصية، فهو انزلاق لا يخدم أحداً.
المفارقة أن المنصة التي كان يفترض أن تشرح للجمهور تفاصيل الحدث وتفتح باب التواصل، تحولت إلى عنوان للتوتر. وهنا لا بد من طرح سؤال أكثر جرأة: هل المشكلة في واقعة واحدة، أم أن هناك خللاً أوسع في تدبير العلاقة بين الفاعل الفني والإعلام؟
فالنجومية الحقيقية لا تقاس بعدد الجماهير، ولا بارتفاع أصوات التصفيق، وإنما بقدرة صاحبها على التحكم في أعصابه واحترام المختلف معه. وكذلك الصحافة المهنية لا تُقاس بحدة السؤال، بل بقدرته على مساءلة الضيف دون سقوط في الاستفزاز أو التجريح.
وقد جاء الموقف الاستنكاري الصادر عن الجمعية المغربية للصحافة الجهوية ليضع الواقعة في إطار مهني، مع تداول إمكانية اللجوء إلى القضاء. وهنا ينبغي ترك الكلمة للمؤسسات المختصة، بعيداً عن إصدار الأحكام أو تحويل القضية إلى معركة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ما حدث، أياً كانت تفاصيله النهائية، يستحق درساً لا ضجيجاً. درس للفنان بأن المنصة الإعلامية ليست ملكاً لأحد، ودرس للصحفي بأن المهنة مسؤولية قبل أن تكون حضوراً، ودرس للمنظمين بأن تأمين الندوات وضبط شروط التواصل مسؤولية لا تحتمل الارتجال.
موسم مولاي عبد الله أكبر من مشاجرة، وأعمق من لحظة غضب. إنه جزء من صورة ثقافية مغربية تستحق أن تُصان.
وحين تسقط لغة الحوار، لا تنتصر الشهرة ولا الصحافة؛ الذي يسقط أولاً هو الاحترام.
سيداتي بيدا




