السياسة في زمن التفاهة وصناعة الوهم: من صناعة القرار إلى صناعة الجدل

ابراهيم
ثقافةقضايا عامةمجتمع
ابراهيم31 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
السياسة في زمن التفاهة وصناعة الوهم: من صناعة القرار إلى صناعة الجدل
السياسة في زمن التفاهة وصناعة الوهم: من صناعة القرار إلى صناعة الجدل

في زمن أصبحت فيه الصورة تسبق الفكرة، والانتشار أهم من المضمون، ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي يبدو المشهد السياسي وكأنه ينزلق شيئاً فشيئاً نحو ما يمكن تسميته بـ”زمن التفاهة”، ليس المقصود هنا إطلاق حكم قاسٍ بقدر ما هو توصيف لواقع بات يفرض نفسه في الخطاب والممارسة معاً، حيث لم تعد الكفاءة والبرامج العميقة وكيفية تحقيقها هي معيار التقييم، بل القدرة على إثارة الانتباه وصناعة الجدل حتى وإن كان فارغاً من أي قيمة حقيقية.

لقد تحولت الساحة السياسية في كثير من الأحيان إلى فضاء للاستعراض بدل أن تكون مجالاً للنقاش الجاد، فبدل أن تُطرح القضايا الكبرى المرتبطة بالتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية برؤية واضحة ومسؤولة نجد أنفسنا أمام خطابات سطحية تختزل تعقيدات الواقع في شعارات بسيطة أو وعود فضفاضة يسهل تسويقها ويصعب تحقيقها، وهنا يكمن الخطر الحقيقي حين تصبح السياسة مجرد وسيلة لكسب التعاطف اللحظي لا أداة لصناعة القرار الرصين، ويزداد هذا المنحى وضوحاً كلما اقتربت المواعيد الانتخابية حيث تتحول السياسة إلى سباق نحو كسب الانتباه أكثر من كونها تنافساً في تقديم الحلول.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في هذا التحول فهي منحت السياسيين منصة مباشرة للوصول إلى الجمهور لكنها في الوقت نفسه شجعت على تبسيط الخطاب إلى حد الإفراغ، فالمحتوى الذي ينتشر هو ذلك الذي يثير الانفعال لا الذي يثري التفكير، وهكذا أصبح بعض الفاعلين السياسيين يفضلون الظهور في مقاطع قصيرة مثيرة للجدل بدل الانخراط في نقاشات معمقة قد لا تحصد نفس القدر من المشاهدات.

هذا المناخ أفرز نوعاً جديداً من الممارسة السياسية، حيث يختلط الجدي بالهزلي وتضيع الحدود بين النقد البناء والتراشق اللفظي، بل إن بعض السلوكات التي تصدر عن منتخبين أو فاعلين عموميين والتي كان يُفترض أن تكون استثناءً أصبحت تتكرر بشكل يطرح تساؤلات حول مستوى النخبة السياسية ومدى استعدادها لتحمل مسؤولية التأطير والتوجيه وتدبير الشان العام.

غير أن تحميل المسؤولية للسياسيين وحدهم فيه قدر من التبسيط، فالمجتمع نفسه بشكل أو بآخر يساهم في تكريس هذا الواقع عندما يتفاعل أكثر مع الخطاب السطحي ويمنحه زخماً أكبر من الخطاب الرصين، كما أن ضعف الثقة في المؤسسات يدفع فئات من المواطنين إلى البحث عن بدائل سريعة ومباشرة حتى وإن كانت تفتقر للعمق، ما يخلق حلقة مفرغة تعيد إنتاج نفس النمط.

في المقابل لا يمكن إنكار وجود كفاءات سياسية جادة تحاول الاشتغال في ظروف صعبة، لكنها غالباً ما تجد نفسها مهمشة إعلامياً أو غير قادرة على منافسة الضجيج الذي يفرضه منطق “الترند” (المواضيع الأكثر تداولاً وانتشاراً)، وهنا تبرز إشكالية حقيقية: كيف يمكن إعادة الاعتبار للسياسة كفعل نبيل قائم على النقاش المسؤول في بيئة تكافئ التفاهة أكثر مما تكافئ الجدية؟

إن الخروج من هذا الوضع لا يتطلب فقط إصلاحات مؤسساتية، بل يستدعي أيضاً تغييراً في الثقافة السياسية العامة، فالمواطن مدعو إلى ممارسة نوع من المواطنة النقدية التي تميز بين الخطاب الجاد والخطاب الشعبوي، كما أن الإعلام مطالب بلعب دور أكثر صرامة في غربلة المحتوى وتقديم النقاشات ذات القيمة بدل الاكتفاء بنقل الإثارة.

في النهاية تبقى السياسة مرآة للمجتمع، فإذا طغت التفاهة في الخطاب فذلك يعكس خللاً أعمق في منظومة القيم والتواصل، والرهان الحقيقي ليس فقط في انتقاد هذا الواقع، بل في العمل على تجاوزه عبر إعادة بناء الثقة في الفعل السياسي وترسيخ ثقافة تجعل من الكفاءة والمصداقية أساساً لأي ممارسة تستحق أن تُسمى سياسة، إلى جانب فتح نقاش جاد حول مراجعة بعض القوانين المؤطرة للحياة السياسية بما يعزز جودة التمثيلية ويرفع من مستوى المسؤولية والمحاسبة.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق