في خضم ما أثير حول نتائج انتقاء مديري المستشفيات العمومية وما كشفته من عزوف لافت عن الترشح، تتعدد القراءات وتتباين التفسيرات، فبين من يُرجع الظاهرة إلى ضعف التحفيزات وتعقيد المهام، ومن يُحيلها إلى غياب الصلاحيات وتزايد الضغوط القانونية، يظل سؤال جوهري يفرض نفسه، هل هذه الأسباب كافية لتفسير هذا النفور الجماعي؟ أم أن هناك تحوّلاً أعمق يُعيد تشكيل العلاقة بين المهني والمؤسسة الصحية؟
التحليل السطحي قد يكتفي بتعداد الإكراهات اليومية التي تواجه مديري المؤسسات الصحية من نقص الموارد إلى تعقيد المساطر، مرورًا بتضارب الأدوار بين الإدارة المركزية والمصالح الجهوية، غير أن قراءة أكثر عمقًا تضع الأصبع على تحول بنيوي صامت، لكنه بالغ التأثير، إعادة تعريف مفهوم “الموظف العمومي في سياق إصلاح المنظومة الصحية”.
فمع إحداث المجموعات الصحية الجهوية (GHR) ، التي تُصنّف كمؤسسات عمومية ذات استقلال إداري ومالي، لم يعد الانتماء إلى وزارة الصحة مرادفًا تلقائيًا للانتماء إلى الوظيفة العمومية التقليدية، هذا التحول وإن كان مؤطرًا قانونيًا ضمن مشروع إصلاح طموح، يُثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل الاستقرار المهني، وضمانات الترقية، والتمثيلية النقابية، بل وحتى حول فلسفة الخدمة العمومية ذاتها.
في هذا السياق يُطرح احتمال أن يكون العزوف عن مناصب المسؤولية مؤشرًا أوليًا على أزمة ثقة أوسع لا تقتصر على المناصب الإدارية بل تمتد إلى جاذبية القطاع الصحي العمومي ككل، فحين يشعر المهني أن موقعه داخل المنظومة أصبح محكومًا بأنظمة جديدة قد تُفضي إلى هشاشة وظيفية أو غموض في المسار المهني، فإن الحافز للانخراط في مشاريع إصلاحية أو تحمل المسؤولية يتراجع بشكل طبيعي.
من هذا المنظور، يبدو أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على مراجعة شروط الترشح أو تحسين التعويضات، بل تستدعي نقاشًا مؤسساتيًا أوسع حول طبيعة التحول الجاري ومدى انسجامه مع تطلعات الأطر الصحية، ومع فلسفة الخدمة العمومية التي طالما شكلت ركيزة للقطاع الصحي المغربي.
ومن هذا المنطلق يبدو ان المسألة لم تعد تقنية محضة تتعلق فقط بآليات التدبير أو شروط الترشح، بل أضحت تمسّ جوهر الهوية المهنية والوظيفية للعاملين في القطاع الصحي، فالتردد في تولي مناصب المسؤولية قد يُعبّر عن شعور متنامٍ بعدم الانسجام بين الأدوار المنتظرة والدعم المؤسسي المتاح، مما يستدعي مقاربة شمولية تُعيد بناء الثقة، وتوازن بين متطلبات الإصلاح وضرورات الاستقرار والتحفيز.
المصطفى اخنيفس




