تُعدّ الخطب الملكية في المغرب مرجعية عليا ترسم ملامح التوجهات الكبرى للدولة ، خاصة في ما يتعلق بالأوراش الاجتماعية والتنموية ، غير أن سؤال التنزيل يطرح نفسه بإلحاح في ظل تكرار نفس الإشكالات والملفات العالقة التي تعود لتتصدر مضامين الخطب كل سنة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي ، ما يستدعي تقديم قراءة نقدية موضوعية لأداء المؤسسات المنتخبة في تنزيل السياسات العامة، انطلاقا من ملاحظات عامة ووقائع ميدانية.
فعلى المستوى النظري ، العلاقة بين المؤسسة الملكية والمؤسسات التنفيذية والتشريعية تبدو واضحة ومتناغمة: الملك يوجّه ويؤطر ، والحكومة تُنفذ ، والبرلمان يشرّع ويراقب ، لكن الواقع يُظهر انحباسًا واضحًا في التفاعل بين هذه المكونات ، حيث تظل الرؤية الملكية حبيسة الخطاب ، في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لترجمتها إلى إجراءات ملموسة.
المؤسسات المنتخبة بدل أن تتحمل مسؤوليتها كاملة ، تلجأ في كثير من الأحيان إلى الاحتماء بالمؤسسة الملكية ، وتسوق البرامج باعتبارها امتداداً للتوجيهات الملكية ، في محاولة للالتفاف على مسؤوليتها التنفيذية والتشريعية ، ما يُعد إخلالاً ضمنياً بفصل السلط والمسؤوليات كما يقرّه الدستور ، ويُسيء للتأويل السليم للمكانة الدستورية للمؤسسة الملكية ، مما يُفرغ المؤسسة المنتخبة من مضمونها المؤسساتي في تجاوز واضح لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، ويُضعف ثقة المواطن في جدوى العملية الانتخابية ودور المؤسسات التمثيلية.
هذا الخلل البنيوي بين التوجيه والتنفيذ ، وبين الرؤية والتشريع ، يفتح الباب أمام فساد الإدارة ، وتضارب المصالح ، وممارسات تضعف الثقة في المؤسسات ، وهو ما يجعل الآفاق مسدودة ما لم يُفتح ورش إصلاح سياسي حقيقي يعيد التوازن بين السلطات ، ويمنح للمؤسسات المنتخبة صلاحياتها الكاملة مقرونة بالمحاسبة الفعلية.
فالمواطن الذي وُضع في صلب الخطب الملكية كمحور لكل مشروع تنموي لا يزال يفتقد لأثر هذه المشاريع في حياته اليومية ، ما يجعل من الخطاب والممارسة مسافتين لا تلتقيان ، إلا إذا تغير منطق تدبير الشأن العام من التسويق السياسي إلى الفعل المؤسساتي الجاد.
وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحرير الفعل السياسي من منطق الاتكالية والانتظارية. فالرؤية الملكية، مهما بلغت من طموح، تبقى رهينة بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على ترجمتها إلى واقع ملموس، يُعيد الاعتبار للمواطن كمحور للتنمية، ويُرسّخ دولة المؤسسات لا دولة الخطابات.
المصطفى اخنيفس




