
لكل إنسان رحلة لا يراها الناس، رحلة لا تُكتب على ملامح الوجه ولا تُقاس بطول السنين، بل بما يختزنه القلب من صبر، وما تحمله الروح من أسئلة، وما تتركه الأيام من أثر، وقد تختلف الأسباب وتتبدل الوجوه والظروف لكن تبقى الرحلة واحدة؛ رحلة يبحث فيها الإنسان عن نفسه كلما ظن أنه فقدها، وعن الطمأنينة كلما ضاقت به الحياة، وما يأتي في هذا النص ليس حكاية شخص بعينه، بل صدى لتجربة إنسانية تتكرر بأسماء مختلفة، وقد يجد كل قارئ شيئًا منها في نفسه قبل أن يجدها بين السطور.
هناك لحظات لا يبكي فيها الإنسان لأن دموعه نفدت، ولا يشتكي لأن الكلمات أصبحت عاجزة عن حمل ما في صدره، فيكتفي بالصمت ويجلس طويلًا يراقب أفكاره وهي تتزاحم داخله، يبحث عن إجابة فلا يجد إلا أسئلة جديدة، ويشعر وكأن الدنيا بكل اتساعها ضاقت حتى أصبحت لا تتسع إلا لهمه، فيبدأ لأول مرة يخشى أن يكون التعب قد سبقه إلى قلبه قبل جسده.
تمر بي أحيانًا لحظات أشعر فيها أن كل ما بذلته من جهد لم يعد كافيًا ليقنعني بأن الطريق ما زال يستحق أن أواصله، لا لأنني أخشى الخسارة فقد اعتدت أن أخسر وأبدأ من جديد، ولكن لأنني أجد نفسي أحيانًا عاجزًا عن فهم بعض ما يحدث حولي، فأشعر أن الواقع يسير في اتجاه، بينما كانت قناعتي تسير في اتجاه آخر، وأكتشف في مثل تلك اللحظات أن ما يرهقني ليس نتيجة معركة بعينها، بل الإحساس بأنني فعلت ما استطعت ثم وقفت أمام حدود لا أملك تغييرها، وربما كان أكثر ما يؤلمني أنني لا أجد من أستشيره حين تضيق بي الأفكار، فأجدني أعود إلى نفسي أجادلها وأختلف معها، ثم أحاول أن أصالحها من جديد.
وأحيانًا لا يكون ما يثقل القلب من صنع الظروف وحدها، بل مما قد يأتي به بعض البشر، فأتوقف طويلًا أمام ذلك وأحاول أن أفهم كيف يستطيع إنسان أن يؤذي غيره دون أن يجني من أذيته منفعة، وكأن بعض النفوس لا تجد راحتها إلا حين ترى غيرها يتعب، وعندها أتساءل: أهو ابتلاء يعلمني الصبر؟ أم اختبار يكشف لي حقيقة الناس؟ ثم أعود فأدرك أنني لن أصل إلى جواب لكل ما يحدث، وأنني إن استهلكت عمري في محاولة فهم نوايا الخلق فسأفقد راحتي قبل أن أصل إلى الحقيقة، لذلك أترك سرائر الناس لخالقهم وأشغل نفسي بإصلاح قلبي، فهو أولى بعنايتي من الانشغال بما تخفيه صدور الآخرين.
أفكر قليلًا فأجد أنني لست غريبًا عن الصعوبات، فمنذ طفولتي تعلمت أن أعتمد على نفسي، لا لأنني كنت أريد ذلك بل لأن الحياة لم تترك لي خيارًا آخر، وكانت سنوات قاسية لكنها صنعت مني إنسانًا يعرف كيف يقف كلما سقط وكيف يبدأ من جديد كلما ظن أن الطريق انتهى، لذلك أستغرب من نفسي حين أسمح للحظة واحدة أن تثقل قلبي إلى هذا الحد، وكيف يمكن لمحطة مهما كانت مؤلمة أن تجعلني أنسى طريقًا طويلًا قطعته قبلها؟ وكيف أختزل سنوات كاملة من الصبر في موقف واحد لم يأت كما كنت أرجو؟
أدرك أن خوفي الحقيقي ليس من الخسارة بل من أن تصبح الإمكانيات أضعف من الإرادة وأن أصل إلى مرحلة لا أتوقف فيها لأنني اقتنعت، وإنما لأنني لم أعد أملك القدرة على الاستمرار، وهذا وحده ما يثقل صدري أكثر من أي شيء آخر، لكنني كلما استرسلت في هذا التفكير أعود فأتذكر أن معظم ما وصلت إليه في حياتي لم يكن لأن الظروف كانت مهيأة بل لأنني لم أكن أملك إلا أن أواصل السير، فلم تكن الطرق سهلة يومًا ولم تكن الأبواب كلها مفتوحة، ومع ذلك كنت أصل إلى ما لم أكن أتوقع أن أصل إليه.
أسترجع حياتي كلها فأجد أن الله سبحانه وتعالى لم يتركني في أشد الأيام قسوة، وكلما ظننت أن بابًا قد أغلق فتح لي بابًا آخر لم أكن أراه، وكلما شعرت أنني وحدي اكتشفت بعد حين أن لطف الله كان يسبقني إلى حيث لا أنتبه، ثم أتذكر موقفًا مر عليه زمن؛ ففي أيام الوباء وجدت نفسي أكتب طويلًا لشخص لا أعرفه كان مثقلًا بالحزن حتى خفت أن يفقد الأمل في الحياة، ولم أكن أملك له حلًا لكنني كنت أكتب له ما كنت أؤمن به من أن اللحظة القاسية ليست العمر كله وأن الإنسان لا ينبغي أن يحكم على حياته وهو في أشد لحظات ضعفه.
واليوم وأنا أراجع تلك الكلمات أشعر وكأنها عادت إليّ بعد سنوات، لا لأقرأها لذلك الغريب بل لأقرأها لنفسي، فقد أدركت أنني كنت أواسي نفسي دون أن أشعر وأن الكلمات الصادقة لا تضيع بل تعود إلى صاحبها حين يكون أحوج ما يكون إليها، ولهذا لا أريد أن أكون قاسيًا على نفسي؛ فمن حقي أن أحزن ومن حقي أن أتعب ومن حقي أن أشعر بالخيبة، لكن ليس من حقي أن أفقد الثقة في الطريق كله بسبب محطة واحدة، ولا أن أنسى أن تدبير الله كان دائمًا أرحم بي من تدبيري لنفسي، وقد لا أفهم كل ما يحدث اليوم وقد لا تأتي الأمور كما أرجو، لكنني تعلمت أن الأيام لا تبقى على حال وأن ما يبدو نهاية في لحظة قد يكون بداية لا أراها إلا بعد زمن، ولهذا سأبقى أردد في داخلي ما آمنت به دائمًا: لعل الخير يتأخر لكنه لا يضيع، ولعل ما يضيق به صدري اليوم سأحمد الله عليه غدًا.
ولهذا قررت أن أترك ما ليس بيدي لمن بيده كل شيء، فلن أرهق قلبي بمحاولة فهم كل ما يجري ولن أسمح لليأس أن يسرق مني ما بقي من عمري، بل سأجتهد فيما أستطيع وأقاتل من أجل حقي ما استطعت، فإن وصلت فبفضل الله وإن تعثرت فلن يكون تعثري نهاية الطريق، وسأبقى مؤمنًا بأن الكرامة ليست في أن أنتصر في كل معركة بل في ألا أفقد نفسي وأنا أخوضها، وسأترك للناس أحكامهم وللأيام تقلباتها وللخالق سبحانه وتعالى عدله الذي لا يضيع عنده حق مهما تأخر ظهوره.
أما أنا فسأواصل السير، لأن الحياة لا تكافئ من يقف عند أول عثرة وإنما تفتح أبوابها لمن ينهض في كل مرة وهو أكثر إيمانًا وأكثر هدوءًا وأكثر يقينًا بأن بعد كل ضيق فرجًا وبعد كل ليل فجرًا، وأن أجمل انتصار قد يحققه الإنسان هو أن يحافظ على سلام قلبه مهما اشتدت حوله العواصف.
المصطفى اخنيفس

