في ظل تداول دورية وزارية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية التي يتم تداولها عبر المواقع تُلزم بتنظيم عملية نقل المرضى وفق شروط طبية دقيقة، من بينها ضرورة استقرار الحالة الصحية قبل النقل، مرافقة طبية مؤهلة، وتوثيق الأسباب السريرية من طرف الطبيب المعالج، مع التنسيق المسبق بين المؤسسات الصحية المعنية، ورغم أن هذه التوجيهات تبدو على الورق منطقية وتهدف إلى حماية المرضى، إلا أن الواقع العملي يكشف عن مفارقة صارخة بين النص والتنفيذ.
فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه عن هذه الدورية الا وهو هل وفرت الوزارة الإمكانيات البشرية واللوجستية اللازمة لتطبيق هذه الدورية؟ أم أنها مجرد وثيقة إدارية تُضاف إلى أرشيف التعليمات التي تُفرغ من مضمونها بسبب غياب شروط التنفيذ؟
للأسف، ما يُلاحظ في مثل هذه الدوريات هو أنها تُصاغ وكأن المنظومة الصحية تعمل بكفاءة مثالية، وكأن كل المؤسسات مجهزة، وكل الطواقم متوفرة، وكل المواطنين واعون ومُلمّون بحقوقهم، وهذا يُظهر انفصالًا واضحًا بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني ويُكرّس صورة نمطية تُعامل فيها فئات واسعة من الشعب وكأنها غير واعية أو غير قادرة على الفهم، مما يُعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
بل إن مثل هذه الدوريات بدل أن تُسهم في تحسين جودة الخدمات قد تُنتج مزيدًا من الاحتقان بين المواطن والموظف، حيث يُصبح الموظف في موقع تنفيذ تعليمات غير قابلة للتطبيق، والمواطن في موقع المطالبة بحقوق لا يجد لها ترجمة عملية، وفي النهاية حتى المواطن الذي يُظهر قدرًا من الوعي يجد نفسه في مواجهة بيروقراطية تُفضي إلى الإهانة أو التهميش، لا إلى الحل.
إن إصدار دوريات تنظيمية دون توفير أدواتها لا يُعد إصلاحًا، بل يُكرّس العبء على الأطراف الأضعف في المنظومة ويُحوّل النوايا الحسنة إلى مصادر توتر ميداني، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالواقع، وتوفير الإمكانيات، ثم صياغة التعليمات بناءً على ما هو ممكن، لا ما هو مثالي.
المصطفى اخنيفس




