بعد أكثر من أربعة أشهر من التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، أقدمت جمعية هيئات المحامين بالمغرب على تعليق إضرابها ابتداءً من 7 أكتوبر، في خطوة لم تُقدّم باعتبارها تراجعًا عن المطالب، وإنما كفرصة لإفساح المجال أمام المؤسسات الدستورية الجديدة لتحمل مسؤوليتها في معالجة ما يُعتبر اختلالات شابت المسار التشريعي لقانون مهنة المحاماة، إذ إن اختيار هذا التاريخ لم يكن معزولًا عن السياق السياسي، فقد جاء مباشرة بعد الانتخابات وقبيل انطلاق الولاية التشريعية الجديدة وتشكيل الحكومة المقبلة، بما يجعل قرار التعليق مرتبطًا في جانب منه بما ستفرزه المرحلة السياسية الجديدة.
لكن خلف هذا القرار يبرز تساؤل يحمل أبعادًا أعمق من مجرد ترقب عودة الإضراب من عدمها، ويتعلق بطبيعة الانتظارات التي وضعتها هيئة المحامين لمرحلة ما بعد الانتخابات، فمن العسير قراءة خطوة تعليق الإضراب بمعزل عن رهان مؤسساتي يفترض أن تحمل المؤسسات الناشئة مقاربة مغايرة للتعامل مع هذا الملف الحقوقي والمهني، خصوصًا بعد مخاض طويل من التوتر مع وزارة العدل تخللته احتجاجات وتعطيل للخدمات المهنية خلق ضغطاً مزدوجاً تمثل في تراكمات ثقيلة داخل ردهات المحاكم، ومعاناة مشتركة طالت المحامين في استقرارهم المهني والمتقاضين الذين دفعوا بدورهم فاتورة الأزمة، وحيث إن الجمعية سبق لها خوض جولات حوار تعثرت قبل أن تتجدد المواجهة، فإن أفق التواصل يظل مرهونًا بالبوصلة السياسية للمرحلة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، يُقرأ قرار 7 أكتوبر باعتباره رهانًا مشروطًا على مخرجات الانتخابات، فجمعية هيئة المحامين لم تعلن طي صفحة الخلاف بل اكتفت بتعليق الاحتجاج مؤقتًا مع الاحتفاظ بحق العودة إليه وفق ما ستؤول إليه التطورات، وهو ما يجعل الأسابيع الأولى لعمل الحكومة محكًا حقيقيًا لمدى استعداد السلطة التنفيذية الجديدة لفتح قنوات حوار مغايرة حول مضامين القانون، أو ما إذا كان الرهان سيمتد نحو المؤسسة التشريعية بغرفتيها وبوابات الفرق البرلمانية لإحداث التعديلات المنشودة، بعيدًا عن تكرار المقاربة السابقة التي أفضت إلى طريق مسدود.
وفي هذا السياق يتقاطع البعد المهني مع التعقيدات السياسية ليزج بعوامل أخرى داخل المعادلة، لاسيما أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الاستحقاقات الأخيرة يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة من بينها احتمال استمرار عبد اللطيف وهبي في نفس المشهد الحكومي السابق وعودته إلى وزارة العدل، وهو احتمال يطرح تساؤلات موضوعية حول قدرة الطرفين على فتح صفحة جديدة رغم ترسبات المرحلة السابقة، دون الجزم بأن هذه العودة ستؤدي حتمًا إلى تجدد التصعيد، إذ تبقى كل الأطراف محكومة بمنطق إعطاء الفرصة للمؤسسات، بينما تظل الوزارة من جهتها متمسكة بمشروعية الإصلاحات التشريعية التي دافعت عنها سابقًا.
بالمقابل يفترض مراقبون أن إسناد الحقيبة الوزارية لشخصية أخرى قد يتيح فرصة أوسع لإعادة هندسة العلاقة مع الهيئات المهنية، غير أن هذا التغيير المحتمل لا يعفي من مواجهة الجوهر الحقيقي للخلاف المرتبط بمضامين قانون المهنة، مما يضع الحكومة المقبلة أمام تحدي تحويل هدنة الإضراب إلى مدخل لتعاقد مستدام يجنب قطاع العدالة جولات تصعيد جديدة، وربما يفسر هذا الوعي اختيار هيئة المحامين للحظة سياسية دقيقة لتعليق التصعيد دون أن تغلق باب التوافقات المحتملة، في انتظار ما ستسفر عنه الهندسة الحكومية المقبلة وتفاعل المؤسسات مع مطالب المهنة، خاصة أن هذا المسار الطويل من الاحتجاج لم يكن، من وجهة نظر الهيئة، غاية في حد ذاته، وإنما جاء في سياق الدفاع عن تصورها لمستقبل المهنة وصون أدوارها، وهي اليوم تفسح المجال أمام المؤسسات الجديدة لاختبار قدرتها على معالجة الخلاف وفتح أفق لتسوية تضع حداً لحالة الاحتقان.
المصطفى اخنيفس




