
0في المشهد الفني والثقافي، لا تُقاس قيمة التجربة دائماً بعدد الأعمال أو المناسبات التي شارك فيها صاحبها، بل بقدرته على تحويل كل محطة إلى خطوة جديدة، وكل تجربة إلى معرفة، وكل حضور إلى أثر. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الشابة المغربية ريما غزولة، التي استطاعت خلال مسارها أن تنسج لنفسها حضوراً متعدد الأبعاد، جامعاً بين المسرح والموسيقى والسينما والإعلام والتنشيط الثقافي.
لم تبدأ الحكاية من أمام الكاميرا، ولم يكن الوصول إلى المهرجانات الكبرى هدفاً منفصلاً عن الطريق، بل كانت هناك خشبة مسرح شكلت نقطة الانطلاق الأولى، وفتحت أمام ريما أبواباً واسعة لاكتشاف إمكاناتها.
منذ سن مبكرة، ارتبط اسمها بالتشخيص المسرحي، في محيط عائلي قريب من الفن والثقافة، لتتحول الموهبة مع مرور السنوات إلى تجربة قائمة على الممارسة والتكوين. وشاركت في عروض مسرحية على المستويات المحلية والوطنية والدولية، كما حملتها تجربتها إلى خارج المغرب، خصوصاً إلى تونس، إضافة إلى مشاركتها في عرض “نوستالجيا” تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.
لكن الوقوف فوق الخشبة لم يكن نهاية طموحها، بل بداية لاكتشاف أدوار أخرى خلفها. فقد انتقلت إلى تجربة الإخراج المسرحي، وأشرفت على ثلاثة عروض لفائدة الأطفال ذوي التنوع الوظيفي بمشاركة زملائهم، في تجربة لم تجمع فقط بين الفن والإبداع، وإنما حملت رسالة إنسانية تقوم على الإدماج ومنح الأطفال مساحة للتعبير وإثبات الذات.
وبالتوازي مع التجربة الميدانية، حرصت ريما على تطوير أدواتها من خلال تكوينات متخصصة في التشخيص والتأليف والإخراج والسينوغرافيا، كما اشتغلت في مجال التأطير والتكوين المسرحي، وهو ما يعكس رغبتها في ألا تبقى المعرفة حكراً على التجربة الشخصية، بل أن تتحول إلى شيء يمكن مشاركته مع الآخرين.
ثم جاءت الموسيقى لتضيف لوناً جديداً إلى هذه اللوحة.
في المعهد الموسيقي، درست الصولفيج والعزف على الكمان الكلاسيكي والبيانو، إلى جانب الموسيقى الأندلسية، لتتسع بذلك علاقتها بالفن من الأداء المسرحي إلى الموسيقى بمختلف حساسياتها. وقد قادها هذا التكوين إلى المشاركة في عدد من المهرجانات والتظاهرات الموسيقية داخل المغرب وخارجه.
أما السينما، فقد منحتها فرصة مختلفة للتعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية. وشاركت في مجموعة من الأعمال السينمائية ذات الأبعاد التربوية والاجتماعية، وتناولت بعض تجاربها موضوع الهجرة وقضايا مجتمعية متنوعة، كما شاركت في عمل لمخرج فرنسي عُرض ضمن فعاليات مهرجان السينما بمدينة مراكش.
غير أن انتقال ريما إلى الإعلام يبدو امتداداً طبيعياً لكل ما سبق.
فالشخص الذي اعتاد مواجهة الجمهور فوق الخشبة، وتعلم لغة الجسد والإلقاء والإحساس، واحتك بعوالم الصورة والصوت، يجد في الإعلام مساحة أخرى لتوظيف هذه الأدوات. ومن هنا قدمت البرنامج الإعلامي “ضيف برو”، وشاركت في عدد من البرامج والمشاريع الإعلامية المختلفة.
كما صنعت لنفسها حضوراً في مجال التنشيط الثقافي والفني، من خلال تقديم عدد من المهرجانات والتظاهرات الكبرى، من بينها مهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب، حيث تلتقي مسؤولية التنشيط مع القدرة على التواصل، والحضور مع سرعة البديهة، والتعامل مع الجمهور مع الحفاظ على إيقاع الحدث وروحه.
ورغم هذا التنوع، لا تبدو تجربة ريما غزولة مشتتة بين مجالات كثيرة، بل على العكس؛ فكل مجال يكمل الآخر. المسرح منحها الحضور، الموسيقى صقلت إحساسها، السينما وسعت رؤيتها، والإعلام منحها أدوات التواصل مع جمهور أوسع.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية مسارها.
فهي لا تتعامل مع الثقافة باعتبارها عنواناً موسمياً مرتبطاً بالمهرجانات، وإنما كجزء من رؤية أوسع تؤمن بأن الفن قادر على بناء جسور بين الناس، وأن الإعلام يستطيع أن يساهم في التعريف بالهوية الثقافية، وأن المحتوى الهادف يمكن أن يكون وسيلة لحماية الذاكرة الفنية والتراثية المغربية.
ولهذا تواصل اهتمامها بالتكوين في مجال الإعلام والتواصل، إلى جانب حضورها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تعمل على تقديم محتوى يسعى إلى إبراز الثقافة المغربية، والتعريف بقيمها الفنية والتراثية، والانفتاح على جمهور جديد يعيش جزءاً كبيراً من يومه داخل العالم الرقمي.
إن قصة ريما غزولة ليست قصة انتقال من مجال إلى آخر بقدر ما هي قصة بحث دائم عن مساحة جديدة للتعبير.
ففي كل مرة كانت تفتح باباً، كانت تجد خلفه باباً آخر. ومن الخشبة إلى الموسيقى، ومن الشاشة إلى الميكروفون، ومن المهرجانات إلى منصات التواصل، ظل الخيط الناظم واحداً: الرغبة في الإبداع، والتعلم، وصناعة حضور له معنى.
وربما لهذا السبب، فإن الحديث عن ريما اليوم لا ينبغي أن يكون حديثاً عن مسار وصل إلى نهايته، بل عن تجربة ما زالت في طور التشكل.
فالمسارات الحقيقية لا تُقاس فقط بما تحقق فيها، وإنما أيضاً بما تعد به في المستقبل.
وريما غزولة، بما راكمته من تجارب في الفن والثقافة والإعلام، تبدو أمام طريق مفتوح على مزيد من المشاريع والفرص، حاملة معها قناعة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن الموهبة تحتاج إلى عمل، وأن الشغف يحتاج إلى معرفة، وأن النجاح الحقيقي هو أن يستطيع الإنسان أن يجعل مما يحب شيئاً ينفع به نفسه ومجتمعه.
وبين أضواء المسرح وعدسة الكاميرا وصوت الميكروفون، تواصل ريما غزولة كتابة حكايتها الخاصة؛ حكاية شابة اختارت أن يكون الاختلاف في مسارها مصدر قوة، وأن تجعل من تعدد مواهبها جسراً نحو حضور أكثر نضجاً، وأكثر قرباً من الفن والإنسان والثقافة.
بقلم: آية الأجراوي

