لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي يربط بين الخليج والعالم، بل تحول إلى شريان اقتصادي تتحكم نبضاته في أسعار الطاقة وأسواق المال وحياة ملايين المستهلكين عبر العالم. وكلما اشتعل التوتر في هذه المنطقة الحساسة، اهتزت أسواق النفط وارتبكت الحسابات الاقتصادية للدول المستوردة، وفي مقدمتها المغرب.
فخلال الأسابيع الأخيرة، دفعت المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في المضيق أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، بعدما سادت توقعات بإمكانية تعطل جزء من الإمدادات العالمية.
وبالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد حاجياته من الطاقة، لم يكن الأمر مجرد خبر اقتصادي عابر، بل انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
ارتفاع أسعار النفط لا يتوقف عند محطات الوقود، بل يمتد تأثيره إلى مختلف حلقات الاقتصاد. فكل زيادة في تكلفة المحروقات تعني ارتفاعاً في مصاريف النقل والشحن والتوزيع، وهو ما ينعكس تلقائياً على أسعار المواد الغذائية والخضروات والمنتجات الاستهلاكية الأساسية. كما تتأثر قطاعات استراتيجية أخرى، من بينها الفلاحة التي تعتمد على مواد مرتبطة بالطاقة والأسمدة، ما يوسع دائرة الغلاء ويزيد الضغط على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
غير أن الانفراج النسبي الذي شهدته الساحة الدولية مؤخراً، بعد التوصل إلى تفاهمات هدفت إلى ضمان حرية الملاحة وتخفيف التوترات، أعاد شيئاً من الهدوء إلى الأسواق العالمية. وتراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ بعدما انحسرت المخاوف من اضطراب الإمدادات، وهو ما فتح الباب أمام توقعات بانخفاض أكبر في أسعار المحروقات.
لكن السؤال الذي يطرحه المستهلك المغربي بإلحاح هو: لماذا ترتفع الأسعار محلياً بسرعة كلما صعد النفط عالمياً، بينما يتأخر الانخفاض عندما تتراجع الأسعار الدولية؟
هذا التساؤل يعكس حالة من فقدان الثقة لدى شريحة واسعة من المواطنين الذين ينتظرون أن تنعكس التراجعات العالمية بشكل عادل وسريع على أثمنة الوقود. فالمشكل لم يعد مرتبطاً فقط بتقلبات الأسواق الدولية، بل أيضاً بمدى شفافية آليات التسعير وقدرتها على حماية المستهلك من آثار المضاربات والاختلالات.
لقد كشفت أزمة هرمز مرة أخرى هشاشة الارتباط المفرط بالأسواق الخارجية، وأعادت إلى الواجهة ضرورة تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز البدائل الوطنية لتقليص التبعية للنفط المستورد. فالأمن الطاقي لم يعد ترفاً اقتصادياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد الوطني وصون القدرة الشرائية للمواطن المغربي من صدمات لا يصنعها، لكنه يدفع ثمنها في كل مرة.
سيداتي بيدا




