من الضجيج إلى السكينة رحلة الإنسان إلى ذاته

ابراهيم
أحداثالوطنيةمجتمع
ابراهيم25 يونيو 2025آخر تحديث : منذ 10 أشهر
من الضجيج إلى السكينة رحلة الإنسان إلى ذاته

في زحمة الحياة اليومية وتعقيداتها، كثيرًا ما نردد في أحاديثنا عبارات من قبيل: “بال مرتاح”، “بال مشغول”، “راسي مرتاح”، أو “راسي عامر”، دون أن نتوقف عند ما تحمله هذه الكلمات من دلالات عميقة تتجاوز ظاهرها ، فكلمة “البال” في لغتنا العامية ليست مجرد تعبير عابر أو اصطلاح لغوي، بل هي تجسيد شعوري وفكري لواحدة من أعمق تجارب الإنسان النفسية: تجربة التوازن الداخلي.

إن “البال” في معناه المتداول يُحيل إلى ذلك الجزء الخفي من الذات، الذي يتفاعل مع المحيط ويُعبّر عن درجة الانسجام أو التوتر التي يعيشها الإنسان ، فهو ليس عضوًا ماديًا كالدماغ أو القلب، بل صورة مجازية تعبّر عن عقل الإنسان حين يغمره السكون، أو يهتزّ تحت وقع القلق والانشغال ، ففي الثقافة العربية، لا يُختزل البال في التفكير فقط، بل يشمل أيضًا الإحساس والوعي، ويُستدعى في لحظات الدعاء والتهنئة، كما يحضر في الشعر والفلسفة والتجارب اليومية كرمز لحالة من الرضا والطمأنينة المنشودة.

ومن زاوية فلسفية، يبدو “البال” كمفهوم يجمع بين العقل والعاطفة، بين الفكر والإدراك الشعوري ، حين نُفكر في “راحة البال”، فإننا لا نشير إلى لحظة سكون ساذجة، بل إلى حالة وجودية يسعى إليها الإنسان وسط الضجيج الخارجي والتشتت الداخلي ، إنها لحظة يبلغ فيها التوازن بين الداخل والخارج ذروته، وتخفت الأصوات المتضاربة في أعماق الذات ، أما “شغل البال”، فهو تعبير عن صراع داخلي أو قلق من المستقبل، أو حتى شعور باللاجدوى حين تنغلق سبل الفهم والمعنى.

وقد نجد في كتابات الفلاسفة الكلاسيكيين إشارات غير مباشرة لهذا المعنى؛ فالفارابي مثلًا يرى أن سعادة النفس لا تتحقق إلا حين تنال التوازن الكامل بين العقل والروح، وهو ما ينسجم مع تصور “راحة البال” كهدف إنساني بالغ العمق ، في المقابل نجد في الأدب والشعر العربي إشارات شجية إلى اضطراب البال كجزء من التجربة الوجودية للإنسان ، كما قال المعري في تأمله الوجودي:> تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبُ > إلّا من راغبٍ في ازديادِ .
فالإنسان في بحث دائم عن “صفاء البال”، وقد يكون هذا الصفاء هو الهدنة الوحيدة الممكنة مع عالم لا يكف عن الإرباك.

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتكاثر فيه مصادر القلق والتشظي، يغدو الحديث عن “البال” ضرورة فكرية وروحية ، فهو لا يعبّر فقط عن مزاج أو حالة نفسية ، بل يكشف عن عمق علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله ، وكلما اقترب من هذه الحالة ، اقترب أكثر من ذاته الحقيقية، ومن وعيه الوجودي.

إن تأمل مفهوم “البال” في اللغة والثقافة والفكر ليس ترفًا، بل هو دعوة لإعادة الاعتبار لحالة داخلية تُعد اليوم، في ظل الاضطراب العام، من أبرز ملامح الإنسانية في أرقى تجلياتها: السكينة، التوازن، والسلام مع الذات ، وهكذا فإننا حين نبحث عن “راحة البال”، فإننا لا نبحث فقط عن لحظة هدوء عابرة، بل عن توازن وجودي يعيدنا إلى ذواتنا، إلى نقطة التصالح مع العالم ومع المعنى. فربما يكون البال هو الاسم العربي لنداء داخلي قديم، يُذكّرنا بأن أسمى ما يسعى إليه الإنسان ليس المزيد من الامتلاك، بل القليل من السكون.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق