إذا كانت مدينة القصر الكبير تُعد، بحسب المؤرخين، من أقدم حواضر المملكة المغربية، استنادًا إلى أبحاث أركيولوجية وشواهد تاريخية متعددة، فإن مجاورتها لنهر وادي لوكوس، هذا الشريان المائي الحيوي، لم تكن عبر التاريخ علاقة ودّ دائم.
فالنهر الذي منح للمدينة الحياة والخصوبة، كان في الآن نفسه مصدر قلق دائم، إذ كثيرًا ما كان يغادر مجراه ليطرق أبواب الساكنة. وقد عرفت المدينة فيضانات دورية اعتيادية، تعايش معها السكان جيلاً بعد جيل، بوصفها قدرًا طبيعيًا مرتبطًا بتاريخ مناخي موسوم بغزارة الأمطار.
وخلال الحقبة الاستعمارية، أدرك المحتل الإسباني باكرًا أن الاقتراب من النهر يحمل مخاطر جسيمة، فاختار التمركز في مناطق أكثر ارتفاعًا، حيث استقرت المؤسسات العسكرية بـ“المحلة”، وهي منطقة لم يبلغها النهر في أي وقت.
في ستينيات القرن الماضي، عرفت المدينة واحدًا من أعنف فيضاناتها، فيضان سنة 1963، الذي اجتاحت مياهه جزءًا كبيرًا من النسيج العمراني، دون أن تتجاوز مدارة الولي الصالح مولاي علي بوغالب. وتكرر المشهد، وإن بحدة أقل، خلال فيضان كبير آخر سنة 1971.
وقبيل المسيرة الخضراء، وتحديدًا سنة 1974، وضع الملك الراحل الحسن الثاني حجر الأساس لبناء سد وادي المخازن، بما يحمله الاسم من رمزية تاريخية ودلالات وطنية عميقة. وبعد سنوات من الأشغال التي أنجزتها شركة أجنبية رومانية، كانت تشتغل في الوقت نفسه على توسعة رصيف ميناء طنجة المدينة، أصبح السد سنة 1979 جاهزًا لاستقبال الموارد المائية القادمة من إحدى أكثر مناطق المغرب تساقطًا للأمطار، وهي جبال الريف الغربي.
منذ ذلك الحين، عاشت ساكنة القصر الكبير حالة اطمئنان غير مسبوقة، دامت لما يقارب 17 سنة. غير أن هذا الإحساس بالأمان اهتز في أواسط التسعينيات، حين اقترب السد من طاقته القصوى، وأُعلنت حالة استنفار قصوى مرّت بسلام، خصوصًا أن التعمير كان متوقفًا احترازيًا بالمناطق المنخفضة عند مدخل المدينة في اتجاه العرائش.
غير أن توالي سنوات الجفاف خلال العقدين الأولين من الألفية الجديدة جعل مسؤولي التعمير ينسون أن للنهر ذاكرة. فتسارع البناء في المناطق الأكثر عرضة للغمر المائي، وتحولت الأراضي الفلاحية الخصبة إلى مجال مفضل للاستثمارات الترفيهية والخدماتية، بل وحتى الإدارية والصحية والتعليمية، بما في ذلك إحداث ملحقة لجامعة عبد المالك السعدي. كما نبتت أحياء كاملة كالفطر في الغراسي المحيطة بالمدينة، وشُيّد البناء في مرجات كانت تاريخيًا عرضة للفيضانات، مثل حي المرينة.
إن احترام معايير التعمير، وأخذ عنصر الطوبوغرافيا بعين الاعتبار، وإخضاع التربة للدراسات التقنية الدقيقة، كفيل بالحد من أخطار الكوارث الطبيعية، وفي مقدمتها الفيضانات.
ولئن تعايشت القصر الكبير، عبر تاريخها الطويل، مع نهر لوكوس في إطار توازن فرضه المناخ والمجال، فإن الأجدر اليوم هو تدبير حضري يعترف بخصوصية الجغرافيا، ويستحضر حقيقة ثابتة مفادها أن للنهر ذاكرة لا تنسى.
حفظ الله ساكنة القصر الكبير، من كل مكروه ، الذين واجهوا الفيضانات عبر ، تاريخهم الطويل، في صمتٍ وبعيدًا عن الكاميرات و”اللايفات”.




