
في سياق الدينامية الفكرية والتفاعل الأكاديمي، تواصل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس ترسيخ مكانتها كفضاء للبحث العلمي والنقاش العمومي الرصين. وتأتي النسخة الثانية من مدرجات النقاش الجامعي تحت عنوان” السياسات العمومية تحت مجهر الطلبة” كإضافة نوعية لهذا المسار، بعد النجاح الذي حققته الدورة الأولى، التي عالجت موضوع “انخراط الشباب في البحث العلمي”، وشكلت منطلقًا لثقافة الحوار والتحليل الأكاديمي حول القضايا التي تشغل الطلبة.
التظاهرة العلمية التي انعقدت يوم الثلاثاء 11 مارس 2025 بقاعة الندوات بمركز دراسات الدكتوراه، شهدت حضور شخصيات أكاديمية وفعاليات مجتمعية بارزة، حيث افتتحت بكلمات لكل من رئيس الجامعة الدكتور المصطفى إجاعلي، وعميد الكلية الدكتور محمد بوزلافة، ورئيس شعبة القانون العام الدكتور سعيد الصديقي، إلى جانب رئيسة جمعية قافلة نور للصداقة والتنمية الاجتماعية خديجة حجوبي، والدكتور أمين السعيد عن لجنة التنسيق. هذه المداخلات أبرزت جميعها أهمية المبادرة في مأسسة النقاش العمومي الجامعي، وربطه بالواقع السياسي والاجتماعي، بما يسهم في تعزيز دور الجامعة كمصدر لإنتاج المعرفة وصياغة الحلول العملية للإشكالات المجتمعية.
لقد شكلت الدورة الثانية منصة للتفاعل العميق مع قضايا السياسات العمومية، حيث تميزت بمشاركة واسعة من الطلبة الباحثين المنتمين لماستر “الدستور والحكامة المالية”، وماستر “الدراسات الدولية”، وماستر “المنازعات الإدارية والتنمية الترابية”، إلى جانب طلبة السداسي الخامس من سلك الإجازة، مما أعطى للنقاش طابعًا تعدديًا أغنى زوايا التحليل وساهم في تطوير الرؤى البحثية. وتحت إشراف مختبر “الدراسات القانونية والسياسية” ومختبر “الدراسات الرقمية والاستراتيجية والعلوم الإدارية والمالية”، تم تقييم أوراق السياسات التي أعدها الطلبة في إطار منافسة أكاديمية تهدف إلى انتقاء أفضل الدراسات البحثية، وفق معايير علمية دقيقة تستند إلى مقاربات تحليلية حديثة تراعي الممارسة العملية في تقييم السياسات العمومية.
إن فلسفة هذه التظاهرة تقوم على منهجية التدريس التفاعلي، حيث طُلب من الطلبة إعداد أوراق بحتية تتناول سياسات عمومية وقطاعية وترابية محددة، وفق معايير أكاديمية دقيقة تشمل التحليل والتقييم والتوصيات. ولم يكن الهدف مجرد إنتاج نصوص نظرية، بل تمكين الطلبة من ممارسة التفكير النقدي والتعامل مع المعطيات الواقعية، وهو ما يعكس رؤية الكلية في تعزيز البحث التطبيقي، ودفع الطلبة نحو إنتاج معرفة ذات بعد استراتيجي تستجيب لحاجيات الفاعلين السياسيين والمؤسسات المعنية بصياغة السياسات العمومية.
ما ميز هذه الدورة هو تعدد الشركاء، حيث انخرطت فيها مجموعة من المكونات الأكاديمية والمجتمعية، أبرزها “جمعية قافلة نور للصداقة والتنمية الاجتماعية”، مما يعكس انفتاح الكلية على محيطها وسعيها إلى خلق جسور تعاون بين الجامعة والمجتمع المدني. كما أن تشكيل لجنة تحكيم موسعة، تضم نخبة من الأساتذة والباحثين المرموقين، أعطى مصداقية أكبر لعملية التقييم وساهم في ترسيخ تقاليد علمية جديدة، تجعل من الجامعة فضاءً للنقاش الجاد والمسؤول.
إن نجاح النسخة الثانية من “مدرجات النقاش الجامعي” لم يكن مجرد تكرار لإنجاز سابق، بل خطوة نوعية في اتجاه ترسيخ تقاليد أكاديمية جديدة تقوم على التفاعل بين الطلبة والأساتذة والباحثين، في إطار مقاربة تجمع بين التحليل الأكاديمي والممارسة العملية. هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا الإبداع والتميز الذي أبان عنه طلبة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، الذين أظهروا قدرة كبيرة على الخوض في النقاشات المعمقة، واستيعاب القضايا المعقدة، واقتراح حلول بناءة، مما يجعلهم بحق سفراء للجامعة في ميادين البحث العلمي وصناعة القرار.
هشام التواتي

