يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول محك مالي حقيقي يضع وعود البرنامج الحكومي (2026-2031) أمام المساءلة بشأن مدى قابليتها للتنفيذ، فبينما يحدد البرنامج الأهداف النظرية، تكشف الميزانية الموارد المرصودة لبدء التنزيل، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى الانسجام بين الطموحات المعلنة والإمكانات الفعلية المتاحة.
اقتصاديًا يتوقع المشروع تحقيق نمو بنسبة 3.7% وعجز في حدود 3%، وهي مؤشرات متواضعة مقارنة بطموح البرنامج الحكومي الرامي إلى تحقيق نمو بنسبة 5%. ويرتبط بلوغ هذه الأهداف بفرضيات متقلبة، كالمحصول الزراعي وأسعار الطاقة وغيرها، مما يستوجب التساؤل عن هندسة التمويل، فهل ستلجأ الحكومة إلى الاستدانة، أم إلى حلول هيكلية كتوسيع الوعاء الضريبي؟
وفي هذا السياق يكشف المشروع عن جانب آخر من أولويات السياسة الميزانياتية، إذ يربط الحفاظ على عجز في حدود 3% وخفض المديونية إلى نحو 62% في أفق 2031 بتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، مستحضرًا إشادة صندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الائتماني، وفي مقدمتها “ستاندرد آند بورز” و “موديز ” ورغم أهمية الحفاظ على التوازنات المالية، يظل السؤال مطروحًا حول كيفية التوفيق بين هذه الالتزامات ومتطلبات خفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، ومدى انعكاس هذه الاختيارات على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي ما يخص القدرة الشرائية يتضمن المشروع إجراءات كإعفاء الأجور الأقل من 10 آلاف درهم من الضريبة، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي والمعاشات، وتخفيف فواتير الكهرباء، وهي تدابير إيجابية للتخفيف من الأعباء، لكن أثرها الحقيقي يظل رهينًا بمدى صمودها أمام تكاليف المعيشة المرتفعة والتضخم الواقعي.
أما مواجهة الغلاء فلا يمكن أن تقتصر على التعويض المالي، بل تتطلب تحديث أسواق الجملة، وتقليص الوساطة، وضمان المنافسة والشفافية، وهنا تبرز الحاجة الملحة لتفعيل أدوار المؤسسات الدستورية المستقلة، وفي مقدمتها “مجلس المنافسة”، لكسر الاحتكار ومحاربة التوافقات حول الأسعار بعيدًا عن المقاربات الحكومية الكلاسيكية المعتادة.
وفي ملف إدماج الشباب، يطرح المشروع آليات للتكوين والتشغيل على امتداد خمس سنوات لكن نجاح هذه المبادرات لا يُقاس بحجم الاعتمادات المرصودة، بل بعدد المستفيدين من فرص شغل مستقرة، ومدى القدرة على تقليص الفجوة البنيوية بين التكوين وحاجات سوق العمل الحقيقية لتحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.
وعلى مستوى التنمية الترابية المندمجة، التي رُصدت لها 10 مليارات درهم لسنة 2027، مع إتاحة التزامات إضافية بقيمة 15 مليار درهم على اعتمادات سنة 2028، إلى جانب الميزانيات المخصصة لقطاعي الصحة والتعليم، يظل التحدي القائم مرتبطًا بمدى قدرة هذه الموارد على تقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات، وهو ما يتطلب توزيعًا منصفًا للموارد البشرية، وحكامة تربط الإنفاق بالنتائج، وتفعيل آليات المراقبة والمساءلة حول كيفية صرف المال العام.
في المحصلة يتيح مشروع مالية 2027 اختبار الخطوة الأولى للحكومة في ترجمة التزاماتها إلى تدابير عملية، والمعيار الحاسم لن يكون حجم الأرقام وضخامتها المعلنة تحت قبة البرلمان، بل ما سيلمسه المواطن فعليًا في قدرته الشرائية، وفرص الشغل المتاحة للشباب، وجودة الخدمات العمومية اليومية، ومدى تقلص المسافة بين البرنامج الحكومي وانتظارات الواقع.
المصطفى اخنيفس




