
في كل سنة مع اقتراب فصل الصيف، تستعد العديد من المدن المغربية لتتحول إلى مراكز احتفالية تُخصص لها ميزانيات ضخمة، في وقت يعاني فيه المواطن من أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، أبرزها البطالة، ارتفاع تكاليف المعيشة، نقص الخدمات الصحية، وتدهور البنية التحتية.
اختلال الأولويات يبرز في إنفاق المال العام على أنشطة شكلية، فيما تُترك الملفات الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بالفئات الهشة عالقة دون حلول ملموسة ، فرغم كون المهرجانات الصيفية عنصرًا من عناصر التنشيط الثقافي والسياحي، إلا أنها لا تعكس الأولويات الفعلية للمجتمع، حيث يُنفق عليها من ميزانية هائلة ، بينما تعاني فئات واسعة من تدهور الخدمات الأساسية وغياب فرص الشغل والاستثمار المنتج وغير ذلك .
فلا أحد يُنكر أهمية الحفاظ على الثقافة وتشجيع الفنون والتراث، ولا يُجادل في حاجة الناس إلى الترفيه والتفريغ النفسي، خاصة في موسم الصيف ، غير أن ذلك يجب أن يتم ضمن توازن بين الحقوق الثقافية والحاجيات الاجتماعية ، ويعبر عن هذا المعنى مثل مغربي شائع في العامية يقول: “عندما تشبع الكرش، تقول للراس غني” أي ان التنمية والعدالة الاجتماعية يجب أن تسبق الترف، لا أن تُؤجل لأجله.
ويُعزى هذا المشهد في جزء كبير منه إلى طريقة تدبير الشأن العام، حيث تركز القرار في يد السلطة التنفيذية، وضعف الرقابة البرلمانية والمجالس المنتخبة، يفرغ آليات المحاسبة من محتواها، ويجعل إنفاق المال العمومي خاضعاً لاختيارات ظرفية أكثر من كونه موجهًا وفق رؤية استراتيجية تستند إلى معايير العدالة والفعالية.
وفي ظل هذا السياق، يتحوّل دعم الفاعلين المحليين إلى إطار مناسباتي محدود التأثير، حيث تُمنح التمويلات على أساس تنظيم الفعاليات بدلًا من توجيهها إلى مشاريع مستدامة تعود بالنفع على المجتمع ، ويظل الواقع الغريب في الأمر أن فئة من الجمعيات التي تنشط في هذا المجال أصبح دورها مرتبطًا بالحصول على الدعم لتنظيم التظاهرات، دون أن يكون لها حضور في الملفات التنموية الجوهرية أو المبادرات التي تعالج المشاكل الاجتماعية المتفاقمة .
الواقع يفرض إعادة النظر في توزيع الموارد، وتوجيه الإمكانيات المتاحة نحو مشاريع تُحقق تنمية فعلية، بدلًا من صرفها في مهرجانات ظرفية ذات تأثير محدود ، فإن الأولوية الحقيقية يجب أن تكون تحسين ظروف العيش، دعم الشباب بفرص اقتصادية، والارتقاء بالخدمات العمومية، لا الاكتفاء بتكرار نمط استهلاكي لا يقدّم حلولًا فعلية.
في خضم هذه المفارقة الصارخة بين واقع اجتماعي واقتصادي مأزوم وتوجه رسمي نحو صرف المال العام في مظاهر احتفالية ، وتنامي فقدان الثقة في الفاعلين السياسيين وفي العمل السياسي عمومًا ، يبقى السؤال مفتوحًا وبإلحاح أكبر ” هل ستظل التنمية الاجتماعية في عطلة مؤجلة؟ هل سيظل المواطن ينتظر إصلاحًا حقيقيًا يلامس حاجياته اليومية ، بينما تستمر الجهات المعنية في تمويل البهرجة والمناسبات؟ ” إن غياب رؤية تنموية مندمجة، تجعل من الكرامة والعدالة الاجتماعية أولوية، يطرح علامات استفهام حقيقية حول جدية السياسات العمومية ومدى التزامها بمصلحة المواطن لا بصورة الواجهة.
المصطفى اخنيفس

