اللقاءات التشاورية بالمغرب: بين رهانات التنمية ومخاوف التوجيه المسبق

ابراهيم
الوطنيةسياسةقضايا عامةمجتمع
ابراهيم16 نوفمبر 2025آخر تحديث : منذ 5 أشهر
اللقاءات التشاورية بالمغرب: بين رهانات التنمية ومخاوف التوجيه المسبق

في ظل الدينامية التي تشهدها مختلف أقاليم المملكة عبر اللقاءات التشاورية الرامية إلى بلورة برامج تنموية ترابية مندمجة، يبرز النقاش حول مدى نجاعة هذه المبادرات في تحقيق العدالة المجالية وتكريس المقاربة التشاركية كخيار استراتيجي، وبينما تُقدَّم هذه اللقاءات كترجمة عملية للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تنمية شاملة تراعي خصوصيات كل إقليم، تتعالى في المقابل أصوات تتساءل عن مدى استقلالية هذه المشاورات عن منطق التوجيه المركزي وعن قدرتها الفعلية على إنتاج تصورات تنموية نابعة من حاجيات المواطن لا مفروضة عليه، ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة الى تحليل هذا الحراك المؤسساتي ومساءلة رهاناته وتحدياته في ضوء التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.

في هذا السياق تُمثل اللقاءات التشاورية التي يشرف عليها عمال الأقاليم إحدى أبرز آليات التفاعل بين الدولة والمجتمع المنظمة تحت يافطة إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، في مرحلة دقيقة تتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة وتطلعات شعبية متزايدة نحو العدالة المجالية وتحسين جودة الحياة، غير أن هذا الحراك المؤسساتي رغم ما يحمله من وعود يثير تساؤلات عميقة حول مدى قدرته على تجاوز منطق التوجيه المركزي والانتصار فعلاً لمقاربة تشاركية حقيقية تنبع من حاجيات المواطن وتطلعاته.

من حيث الشكل تبدو هذه اللقاءات التشاورية خطوة إيجابية نحو إشراك المواطن في صياغة السياسات العمومية وتكريس مبادئ الجهوية المتقدمة، غير أن المضمون يطرح إشكالات حقيقية أبرزها: هل فعلاً تُمنح الأولوية للبرامج التي تعكس الحاجيات الفعلية للساكنة أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تمرينًا شكليًا لإضفاء الشرعية على اختيارات جاهزة سلفًا؟

إن التركيز المفرط على قطاعات بعينها كالصحة والتعليم رغم أهميتها يثير الشكوك حول نوايا الدولة في إعادة هيكلة هذه القطاعات تمهيدًا لتفويضها للقطاع الخاص، فمشاريع إصلاح البنية التحتية الصحية وتكوين الموارد البشرية وتحديث التجهيزات قد تُفهم في سياق الاستعداد لخوصصة تدريجية خاصة في ظل غياب نقاش عميق حول آليات ضمان الولوج العادل والمنصف لهذه الخدمات من طرف الفئات الهشة.

وما يزيد من حدة هذا القلق هو غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية حقيقية لتجاوز منطق “النسخ والتعميم” في إعداد البرامج نحو تبني مقاربات ترابية تراعي الخصوصيات المجالية والاقتصادية والاجتماعية لكل إقليم، فهل يُعقل أن تُفرض على مدينة ذات طابع فلاحي أو سياحي نفس الأولويات التي تُرسم لمدينة صناعية أو حضرية كبرى؟

إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع المنجزة، بل بمدى قدرتها على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحقيق العدالة في توزيع الثروة والخدمات، ومن هذا المنطلق فإن أي برنامج تنموي لا يضع الفئات الهشة في صلب أولوياته ولا يضمن مشاركتها الفعلية في اتخاذ القرار يبقى مشروعًا فوقيًا مهما تم تجميله بخطاب المشاركة والتشاور.

وإذا كانت هذه اللقاءات تهدف فعلاً إلى إشراك المجتمع في رسم ملامح المستقبل، فإن ذلك يقتضي تجاوز منطق التوجيه المسبق والانفتاح على مقترحات غير نمطية قد لا تتماشى بالضرورة مع التوجهات الحكومية لكنها تعكس حاجات واقعية وملحة، كما أن إشراك المواطن لا يجب أن يقتصر على الحضور الرمزي أو التعبير عن الرأي، بل يجب أن يمتد إلى آليات التتبع والتقييم والمساءلة لضمان ألا تتحول هذه اللقاءات إلى مجرد واجهة ديمقراطية تُستخدم لتبرير خيارات مركزية قد تُفضي إلى خوصصة تدريجية لقطاعات حيوية دون ضمانات كافية لحماية الفئات الأكثر هشاشة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد الورشات أو حجم المشاركين، بل في مدى قدرة هذه اللقاءات على إنتاج معرفة محلية وتصورات تنموية نابعة من الواقع لا مفروضة عليه، فالتنمية ليست مجرد هندسة تقنية بل فعل سياسي واجتماعي يتطلب شجاعة في الإصغاء، وجرأة في التغيير، ووفاء لكرامة المواطن.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق