
ليست عاصمة الفضة، تيزنيت، مجرد رقعة جغرافية تحتضن التاريخ؛ بل هي حالة وجدانية تنساب سحراً وبريقاً كلما تلامست أنامل صناعها التقليديين مع معدن الفضة النفيس. وفي قلب هذا البهاء، يأتي مهرجان “تيميزار” للفضة ليكون أكثر من مجرد تظاهرة احتفالية عابرة، بل هو مرآة حية تعكس عمق الهوية المغربية، وتقدم دليلاً ساطعاً على كيف يمكن للتراث الثقافي أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
في أزقة تيزنيت العتيقة، تسمع سيمفونية فريدة؛ إنها نقرات المطارق الصغيرة على وجه الفضة. هؤلاء الصائغون التيزنيتيون ليسوا مجرد حرفيين، بل هم مؤرخون وفنانون يطوعون المعدن البارد ليدبّ فيه الدفء والحياة.
إن الفضة في تيزنيت ليست مجرد حلي تُرتدى للزينة، بل هي لغة بصرية تروي حكايات الأجداد، وتجسد هويتنا الأمازيغية والمغربية الضاربة في القدم، لتؤكد ريادة المدينة الوطنية كعاصمة بلا منازع لهذا الفن الأصيل.”
تتجلى عبقرية الصانع التيزنيتي في قدرته على الحفاظ على التقنيات التقليدية العريقة، مثل “الخلالة” و”الطلاء بالمينا”، مع إدخال لمسات معاصرة تجعل من الحلي الفضية تحفاً فنية تتوارثها الأجيال. ومهرجان تيميزار يعيد صياغة هذا الإبداع أمام العالم، مبرزاً كيف يتحول الصائغ من حارس للذاكرة إلى سفير ثقافي يحمل جينات التميز المغربي.
لا تكتمل لوحة الأصالة في “تيميزار” دون إيقاع الحوافر وهتاف الفرسان، حيث تحتل عروض التبوريدة والفروسية التقليدية مكانة الصدارة في فعاليات المهرجان لتضفي عليه طابعاً ملحمياً يعيد إحياء الذاكرة التاريخية للمنطقة. إن هذه العروض تمثل لوحة حية تعبر عن تلاحم القبائل وقيم الشجاعة والإقدام التي ميزت الإنسان المغربي عبر العصور، ويتجلى فيها التناغم الحركي البديع في مشهد اصطفاف الفرسان وجريهم المتناسق وانفجار البارود في لحظة واحدة تحبس الأنفاس وتجسد المعنى الحقيقي للضبط والمهارة الفائقة. كما يبرز من خلالها البعد الروحي والثقافي لارتباط الخيل بالهوية المغربية، كونه جزءاً من وجدان شعبي يحتفي بالفرس رمزاً للنخوة والشهامة والاعتزاز بالجذور.
ما يميز مهرجان “تيميزار” هو شموليتة وعدم حصر نفسه في زاوية واحدة، بل يقدم صورة متكاملة تجمع بين الفن والفكر والاقتصاد الاجتماعي. ويتجلى هذا التميز في الندوات الفكرية التي تشكل الفضاء العلمي للمهرجان حيث يلتقي الأكاديميون والباحثون لمناقشة سبل حماية التراث اللامادي وتثمينه كمدخل للتنمية المستدامة، بموازاة المعارض الفنية والتراثية التي تفتح الأبواب أمام الزوار للاطلاع على إبداعات نساء ورجال التعاونيات المحلية مما يساهم في تحريك العجلة الاقتصادية للمدينة والتعريف بمنتجاتها المجالية، بالإضافة إلى الأنشطة الموازية من سهرات فنية تحتفي بالموسيقى التراثية والعصرية وفعاليات ترفيهية تزرع في الناشئة قيم الاعتزاز بالهوية الوطنية.
في ختام هذا الترحال البصري والروحي، يثبت مهرجان “تيميزار” للفضة بتيزنيت أنه ليس احتفالاً بالماضي فحسب، بل هو استثمار ذكي في المستقبل. إنه الفضاء الأبهى الذي تلتقي فيه أصالة الفضة، ونخوة التبوريدة، وعمق الندوات الثقافية، ليقدم تيزنيت كنموذج رائد للمدينة التي تعرف كيف تستثمر في تاريخها وتراثها لتصنع غداً أفضل وأكثر إشراقاً.

