صحافة الترتيب الوهمي: حين يتحول “الباك” إلى ساحة لتصفية الحسابات الجهوية

ابراهيم
أحداثالوطنيةثقافةقضايا عامة
ابراهيممنذ 4 ساعاتآخر تحديث : منذ 4 ساعات
صحافة الترتيب الوهمي: حين يتحول “الباك” إلى ساحة لتصفية الحسابات الجهوية
صحافة الترتيب الوهمي: حين يتحول “الباك” إلى ساحة لتصفية الحسابات الجهوية

ليست كل الأرقام حقائق، وليست كل الجداول وثائق. وبين الرقم الموثق والرقم المتداول مسافة اسمها المصداقية. لذلك يصبح من المشروع أن نتساءل: بأي معيار تنشر صحيفة وطنية واسعة الانتشار مقالاً يبني خلاصاته على ترتيب لم تعلنه وزارة التربية الوطنية، ولم يرد في أي من بلاغاتها الرسمية، ولا على موقعها الإلكتروني؟ وكيف يتحول “ترتيب” لا وجود له في الوثائق الرسمية إلى أساس لتحليل سياسي وإداري، وإلى منصة لتوجيه الاتهامات وتوزيع المسؤوليات؟

المفارقة أن المقال انطلق من مُسَلَّمَة لم يثبت وجودها أصلاً. فلا الوزارة، حسب موقعها الرسمي وصفحتيها على لينكدين وفيسبوك، أعلنت ترتيباً وطنياً للأكاديميات، ولا أصدرت وثيقة تصنف الجهات حسب النتائج، بل إن نشر المادة سبق استكمال الدورة الاستدراكية، وهي جزء لا يتجزأ من النتائج النهائية للامتحان. والسؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كل كتابة هو: من أين جاءت هذه المراتب؟ فإذا كان الجواب هو “مصادر خاصة” أو “معطيات متداولة”، فإننا لا نكون أمام عمل صحفي يستند إلى وقائع، بل أمام بناء كامل شُيّد فوق أرض رخوة. فالصحافة لا تقيس قوتها بما تسبق إليه، بل بما تستطيع إثباته.

لكن الخلل لم يقف عند حدود المصدر، بل امتد إلى طريقة اختيار الهدف. فإذا افترضنا، جدلاً، صحة ذلك الترتيب، فإن المنطق يقتضي مساءلة الجميع بالمعيار نفسه. فلماذا وقع الاختيار على أكاديمية احتلت المرتبة السادسة وأخرى قيل إنها جاءت عاشرة، بينما غابت تماماً الأكاديميتان اللتان وُضعتا في ذيل ذلك الترتيب المزعوم؟ أهو انتقاء بريء، أم أن بعض الجهات أكثر جاذبية للاستهداف من غيرها؟ هنا يفقد النص توازنه؛ لأن الانتقائية، في العمل الصحفي، لا تقل خطورة عن الخطأ في المعلومة.

ولعل أكثر ما يكشف هذا الانزياح هو اللغة نفسها. فبدلاً من تحليل الوقائع، اختار المقال لغة تنطوي على الإدانة المسبقة، من قبيل الحديث عن “تعليب المبررات” أو وصف التفسيرات بأنها “غير مبررة”. تلك ليست لغة صحفي يبحث عن الحقيقة، بل لغة خصم حسم موقفه قبل أن يبدأ المرافعة. فالتحليل يطرح الأسئلة، أما الإدانة فتفترض الإجابات سلفاً.

ثم إن منطق المحاسبة الذي يرفعه المقال يبدو انتقائياً بدوره. فإذا كانت النتائج تستوجب مساءلة المسؤولين، فلماذا تُختزل المسؤولية في المدير الإقليمي أو المسؤول المباشر داخل جهتين محددتين؟ لماذا تتوقف الدعوة إلى المحاسبة عند حدود معينة، ثم تتوارى عندما يتعلق الأمر بمستويات أخرى من المسؤولية؟ إن المحاسبة التي تختار خصومها مسبقاً لا تؤسس للشفافية، بل تكرس ازدواجية المعايير.

والأخطر أن المقال اختزل امتحان البكالوريا في وظيفة واحدة: محاكمة المسؤولين. والحال أن هذا الامتحان، قبل أي شيء، محطة وطنية لتقييم مكتسبات التلميذات والتلاميذ، تتداخل في نتائجها عوامل تربوية واجتماعية واقتصادية ونفسية، فضلاً عن اختلاف الخصوصيات المجالية والديمغرافية بين الجهات. أما تحويل كل هذا التعقيد إلى رقم واحد يُشهر في وجه مسؤول إداري، فهو تبسيط مخل لا يخدم المدرسة، بقدر ما يخدم خطاباً يبحث عن متهم أكثر مما يبحث عن تفسير.

إن النقد مسؤولية، والمحاسبة ضرورة، والصحافة الحرة لا تؤدي رسالتها إلا حين تزعج أصحاب القرار. لكن هذه الرسالة تفقد قيمتها عندما تستبدل الوثيقة بالإشاعة، والمعيار بالانتقاء، والتحليل بالإدانة، فتتحول من سلطة رقابية إلى طرف في معركة لا يعرف القارئ دوافعها الحقيقية.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحاً: هل كان الهدف فعلاً الدفاع عن المدرسة العمومية، أم أننا أمام ممارسة إعلامية تستخدم نتائج البكالوريا ذريعة لإدارة معارك جانبية، وتوجيه النيران نحو جهات بعينها، في غياب أي سند رسمي؟ فإذا كان الإصلاح يبدأ بالحقيقة، فإن أول ما تحتاج إليه الصحافة، قبل مطالبة الآخرين بالمحاسبة، هو أن تحاسب نفسها على مصادرها، ومعاييرها، وعدالتها في توزيع النقد.

هشام التواتي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق