
يُعد العمل الجمعوي أحد أهم آليات بناء المجتمع المدني، ولا يمكن الحديث عن تنميته دون التوقف عند دور الشباب، باعتبارهم القوة الحية والطاقة المتجددة لأي مشروع مجتمعي. فمنذ فجر الاستقلال، كان للشباب المغربي حضور وازن في إنجاح أوراش كبرى، مثل “طريق الوحدة” سنة 1957، مما أكد أن الرهان على الشباب لم يكن خيارًا بل ضرورة لبناء مغرب حديث وديمقراطي.
الشباب والعمل الجمعوي: بين الحماس والغياب
رغم الحماس الفطري الذي يتميز به الشباب، إلا أن مساهمتهم الفعلية في النسيج الجمعوي الوطني تبقى دون التطلعات. فبحسب معطيات الإحصاء العام لسنة 2024، يشكل الشباب (بين 15 و34 سنة) نحو 34% من سكان المغرب، أي حوالي 12.5 مليون نسمة، لكن نسبة انخراطهم في الجمعيات لا تتجاوز النسبة الرمزية مقارنة بحجم التحديات التي تواجه المجتمع المغربي.
وعند تمحيص تمثيلية الشباب داخل مكاتب الجمعيات، يتضح أن معدل سن القيادات الجمعوية يتجاوز 43 سنة، فيما لا تتعدى نسبة الشباب في المكاتب المسيرة 2.9%. مما يكرس فجوة بين طاقات الشباب وطموحات الفعل الجمعوي، ويحد من إمكاناتهم في التأثير وصنع القرار.
تشريح أسباب العزوف
تتوزع أسباب هذا العزوف إلى:
ذاتية: تتعلق بضعف التكوين الجمعوي، قلة التجربة، تحديات اقتصادية خانقة، وفقدان الثقة في مصداقية بعض الجمعيات.
مجتمعية: تشمل غياب رؤية مؤسساتية واضحة لدعم الشباب، استغلال العمل الجمعوي لأغراض شخصية أو سياسية، وطغيان ثقافة الربح السريع على حساب قيم التطوع والتضحية.
كما أن التغيرات التكنولوجية السريعة أسهمت في خلق فضاءات جديدة للشباب، جعلت بعضهم يعزف عن الانخراط في العمل الجمعوي التقليدي، مفضلين المبادرات الرقمية والمشاريع الذاتية.
خارطة الطريق للنهوض بمشاركة الشباب
من أجل إعادة الشباب إلى قلب العمل الجمعوي، لا بد من:
تمكينهم من مواقع القرار داخل الجمعيات، وعدم اختزال أدوارهم في أنشطة ظرفية أو هامشية.
تعميم برامج تكوين مستمرة في مجالات التدبير الجمعوي والحكامة الجيدة.
تخصيص تحفيزات عملية، مثل دعم المشاريع الجمعوية الشبابية وتوفير فرص للتشغيل الذاتي عبر الجمعيات.
استعمال الإعلام الرقمي بشكل ذكي للترويج لقيم التطوع وأهميته في بناء شخصية الشباب وخدمة الصالح العام.
إرساء شراكة متوازنة وشفافة بين الجمعيات والدولة، تقوم على مبادئ النجاعة والمحاسبة والشفافية.
لا يمكن تصور مجتمع مدني قوي دون حضور فاعل لشبابه.
إن العمل الجمعوي، متى ما أُحسن تدبيره، قد يكون رافعة حقيقية لتمكين الشباب وتحقيق التنمية المستدامة. لكن ذلك يظل رهينًا بإرادة سياسية حقيقية، ورؤية استراتيجية واضحة من كل الفاعلين.
ويبقى السؤال الحاسم:
متى ننتقل من التشخيص إلى الفعل، ومن التنظير إلى التمكين، حتى يصبح العمل الجمعوي أداة لتحرير طاقات الشباب بدل إحباطها؟
ٱدم أبوفائدة

