تعود حالة العلم الوطني المرفوع فوق إحدى الجامعات الخاصة بفاس إلى الواجهة من جديد، بعد نحو عام من تنبيه صحفي سابق إلى وضعيته المتردية. صورة حديثة التقطت صباح اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 تظهر العلم في هيئة لا تليق برمزيته، في وقت تكشف فيه صور أخرى من المدينة نفسها عن عناية واضحة بالراية الوطنية فوق مقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس، والمدرسة العليا للأساتذة ببنسودة التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، ومدخل الجامعة الأورومتوسطية بفاس. وهي مقارنة تفرض سؤالاً مباشراً: لماذا يتكرر المشهد فوق مؤسسة جامعية خاصة، بينما تنجح مؤسسات أخرى للتربية والتكوين والتعليم العالي في الحفاظ على العلم الوطني في صورة تليق بمكانته؟
وكانت إحدى الجرائد الإلكترونية الجهوية قد أثارت الموضوع في 17 نونبر 2025، عشية عيد الاستقلال، حين نشرت مقالاً بعنوان: ” علم يتآكل فوق مؤسسة جامعية خاصة: هل تتحرك مشاعر الوطنية قبل 18 نونبر؟” وكان من الطبيعي أن يُفهم ذلك التنبيه باعتباره مناسبة لتصحيح وضع بسيط من الناحية العملية، لا يحتاج إلى أكثر من معاينة دورية واستبدال العلم عند تلفه. ولا يمكن الجزم بأن العلم الظاهر اليوم هو نفسه الذي كان مرفوعاً قبل نحو عام، لكن عودة المشهد في صورة مماثلة تجعل التساؤل عن آليات المتابعة والعناية أكثر مشروعية.
العلم المغربي رمز دستوري للدولة والسيادة والوحدة، وأي مؤسسة تختار رفعه تتحمل مسؤولية الحفاظ عليه في هيئة تليق به. صحيح أن الأعلام تتعرض بطبيعتها للشمس والرياح وتقلبات الطقس، لكن التلف في حد ذاته ليس المشكلة؛ المشكلة تبدأ عندما يبقى العلم المتضرر مرفوعاً دون تدخل، أو عندما يتكرر الوضع بما يثير التساؤل عن انتظام المراقبة والصيانة.
وتمنح الصور المقارنة للقضية بعداً أكثر وضوحاً. ففي مقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس، يظهر العلم الوطني في حالة سليمة. كما يبدو مرفوعاً في هيئة لائقة فوق المدرسة العليا للأساتذة ببنسودة، التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ويحضر كذلك بشكل واضح ومحترم عند مدخل الجامعة الأورومتوسطية. وهذه الصور لا تصلح للحكم على وطنية مؤسسة أو أخرى، ولا للمفاضلة بينها من حيث أدائها الأكاديمي أو الإداري، لكنها تثبت أمراً بسيطاً: العناية بالعلم ممكنة ومتحققة بالفعل داخل مؤسسات أخرى بالمدينة نفسها.
وتتضاعف أهمية المسألة لأن المؤسسات التعليمية والجامعية لا تقتصر وظيفتها على تقديم المعرفة ومنح الشهادات، بل تؤدي أيضاً وظيفة تربوية وقيمية. فالطالب يتعلم من سلوك المؤسسة بقدر ما يتعلم داخل قاعات الدراسة، والعناية بالعلم الوطني تقدم درساً صامتاً في المسؤولية واحترام المشترك. أما استمرار رمز وطني في حالة متردية، فقد يبعث، ولو من دون قصد، برسالة لا تنسجم مع ما يفترض أن تحمله المؤسسة التعليمية من قيم المواطنة والقدوة.
ويكتسب النقاش دلالة إضافية ونحن على مشارف 31 أكتوبر، عيد الوحدة، بما تحمله هذه المناسبة من رمزية مرتبطة بوحدة المملكة وسيادتها. وفي مثل هذا السياق، يصبح احترام العلم الوطني إحدى أبسط صور الانسجام بين الخطاب والممارسة. فصيانة الراية ليست إجراءً موسمياً يرتبط بالأعياد والزيارات الرسمية، وإنما مسؤولية مستمرة ما دام العلم مرفوعاً فوق المؤسسة.
ومع ذلك، يقتضي الإنصاف عدم تجاوز ما تثبته الوقائع. فالصور لا تسمح باتهام مسؤولي المؤسسة بالتعمد أو التشكيك في وطنيتهم، كما لا يمكن من خلالها معرفة ما إذا كانت الجامعة قد استبدلت العلم خلال الفترة السابقة. لكن تكرار مشهد مشابه بعد تنبيه صحفي سابق يجعل مساءلة التدبير مشروعة، ويمنح المؤسسة في الوقت ذاته كامل الحق في تقديم توضيحاتها بشأن ما قامت به والإجراءات التي تعتمدها للعناية بالعلم.
ولا يحتاج تصحيح الوضع إلى أكثر من خطوات بسيطة وواضحة: استبدال العلم متى ظهرت عليه علامات التلف، مراقبته بصورة دورية، وتحديد الجهة الإدارية المسؤولة عن صيانته. بل يمكن للمؤسسات التعليمية أن تجعل من العناية بالرموز الوطنية جزءاً من ثقافتها التربوية، لأن احترام العلم لا يُعلَّم فقط في الدروس والخطب، وإنما أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسة.
فنحن في جريدة “بلا زواق تيفي ” حينما نثير مثل هذه الوقائع لسنا نبحث عن التشهير أو المزايدة في الوطنية، بل إننا نؤدي وظيفتنا في الملاحظة والتنبيه. وإذا كان المشهد قد عُدّ قبل نحو عام سهوًا عابراً، فإن عودته اليوم تجعل سؤال المسؤولية أكثر إلحاحاً: كيف يظل علم المملكة في هذه الحالة فوق مؤسسة للتعليم العالي، فيما تظهر مؤسسات تربوية وجامعية أخرى في المدينة نفسها أن العناية به لا تحتاج إلا إلى قدر من الانتباه والاستمرارية؟
العلم الوطني لا يحتاج إلى خطب طويلة حتى يحظى بالاحترام، ولا إلى مناسبة رسمية حتى تُستحضر قيمته؛ يكفي أن تنتبه إليه المؤسسة التي ترفعه، وأن تصونه بما يليق براية المملكة قبل أن يصبح إهماله موضوعاً للتنبيه مرة أخرى




