ليس في الامر شك بخصوص ما تعيشه مدينة وجدة : مجهودات كبيرة بُذلت لتحرير الملك العمومي وتحرير شوارعها من الفوضى، الا أن عودة مظاهر العشوائية بشكل يطرح أكثر من تساؤل حول جدوى تلك الحملات وفعاليتها.
لقد عاين الجميع كيف عمل الوالي الخطيب الهبيل على إطلاق حملات صارمة همّت إزالة الأسواق العشوائية وتحرير الأرصفة من الباعة الجائلين وضبط تجاوزات المقاهي والمطاعم. خطوات جريئة أعادت الأمل في استرجاع صورة مدينة منظمة تحترم حق ساكنتها في فضاءات نظيفة وآمنة. غير أن هذا الأمل لم يدم طويلاً، فالمشهد اليوم يعيدنا إلى نقطة البداية: الأرصفة محتلة، التريبورتورات تعرقل السير، والباعة يعودون إلى مواقعهم القديمة وكأن شيئاً لم يحدث.
على ما يبدو فالمشكل لم يكن انطلاق في الحملات ذاتها، بل في غياب الاستمرارية والصرامة. فما الفائدة من تعبئة كل تلك الموارد إذا كان المستفيدون من الأسواق النموذجية يهجرونها بعد أسابيع؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في هذه التدخلات إذا كان يشاهد، بعينه، عودة الفوضى بسرعة قياسية؟
فما تعيشه وجدة اليوم ليس مجرد عودة للفوضى، بل هو انتكاسة حقيقية تُفرغ جهود الدولة من معناها، وتُشعر الساكنة بأن القانون مجرد خيار ظرفي يُطبق متى شِئنا ونغض الطرف متى شِئنا. وهذه هي الخطورة بعينها: أن يتحول احتلال الملك العمومي إلى أمر عادي، وأن يُعتبر التمرد على القانون قاعدة، بينما الالتزام به استثناء.
إذا أردنا فعلاً لوجدة أن تكون مدينة جذابة للاستثمار ولائقة بساكنتها، فلا بد من الحزم الدائم في فرض القانون، وفي الوقت نفسه إيجاد حلول واقعية تحفظ كرامة الباعة وتمنحهم بديلاً محترماً. غير ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة: حملات قوية تليها فوضى أشد، وصورة مدينة تبحث عن النظام فتجد نفسها أسيرة العشوائية.
متابعة : يحي هورير




