العودة الى الساعة القانونية بين القرار الإداري والحسابات السياسية

ابراهيم
2026-06-25T22:03:26+03:00
أحداثالوطنيةسياسةقضايا عامة
ابراهيممنذ 3 ساعاتآخر تحديث : منذ 3 ساعات
العودة الى الساعة القانونية بين القرار الإداري والحسابات السياسية

أعلنت الحكومة المغربية، خلال اجتماع مجلسها المنعقد يوم الخميس 9 محرم 1448 مُوَافِق 25 يونيو 2026 برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، المصادقة على مشروع المرسوم رقم 2.26.530 المتعلق بالساعة القانونية للمملكة، والذي يقضي بالرجوع إلى التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينيتش (GMT) من خلال تأخير الساعة بستين دقيقة ابتداءً من الساعة الثانية صباحاً من يوم الأحد 20 شتنبر 2026، مع نسخ المرسوم رقم 2.18.855 الصادر سنة 2018 الذي كان قد أقر إضافة ستين دقيقة إلى الساعة القانونية للمملكة.

فمنذ ساعة الإعلان عن القرار، انقسم الرأي العام بين من اعتبره استجابة لمطلب شعبي طال انتظاره، وبين من رأى فيه قراراً ذا أبعاد سياسية وانتخابية أكثر منه مجرد تدبير تقني يتعلق بتنظيم الزمن القانوني للمملكة، كما اعاد الجدل الذي لم ينقطع منذ اعتماد الساعة الإضافية سنة 2018 ولم يكن الجدل هذه المرة منصباً فقط على الآثار الاجتماعية أو الاقتصادية للساعة الإضافية، بل امتد إلى التساؤل حول الخلفيات السياسية للقرار وتوقيته، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وقد زاد من حدة هذا النقاش تزامن القرار مع تصاعد الخطاب السياسي للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، الذي جعل من إلغاء الساعة الإضافية أحد المواضيع التي يكررها في خرجاته الإعلامية، بل وقدم الأمر باعتباره التزاماً سياسياً في حال عودة حزبه إلى قيادة الحكومة، ومن هنا انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي رواية مفادها أن الحكومة رضخت لضغط المعارضة أو أنها استبقت المعارضة بسحب أحد الملفات الشعبية من يدها.

غير أن القراءة تقتضي التمييز بين ما يتم الترويج له وما يمكن إثباته واقعياً، فليس هناك أي معطى رسمي يثبت أن القرار جاء نتيجة ضغط سياسي مباشر من المعارضة، كما أنه لا يوجد ما يؤكد أن تصريحات بنكيران كانت السبب الحاسم وراء اتخاذ هذا القرار، فالسياسات العمومية لا تُصاغ عادة كرد فعل فوري على خطاب سياسي أو ضغط إعلامي، بل تخضع في الغالب لتقديرات ودراسات ومشاورات داخل دوائر صنع القرار.

في المقابل لا يمكن أيضاً إغفال البعد السياسي للقرار، فالتوقيت السياسي له دلالته، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف ظل لسنوات محل رفض اجتماعي واسع، ومن ثم فإن صدور القرار قبل فترة من الانتخابات التشريعية المقبلة يفتح الباب أمام فرضية مفادها أن الحكومة تسعى إلى امتصاص جزء من الاحتقان الشعبي واستعادة بعض الثقة المفقودة، أو على الأقل تجنب تحويل هذا الملف إلى ورقة انتخابية تستثمرها المعارضة.

وفي السياسة كثيراً ما تصبح القرارات التي تبدو تقنية في ظاهرها محملة برسائل سياسية في باطنها، فالساعة القانونية ليست مجرد عقارب تتقدم أو تتأخر بستين دقيقة، بل أصبحت رمزاً لنقاش أوسع حول علاقة القرار العمومي بانتظارات المواطنين ومدى قدرة الفاعل السياسي على الإنصات للمطالب المجتمعية.

ومن جهة أخرى، أثار هذا الجدل سؤالاً مشروعاً حول ترتيب الأولويات، فهناك من اعتبر أن التركيز على ملف الساعة الإضافية يختزل معاناة المواطنين في قضية رمزية، بينما تواجه البلاد تحديات أكثر إلحاحاً تتعلق بغلاء المعيشة، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وإشكالات الصحة والتعليم وغيرها.

والحقيقة أن المشهد السياسي غالباً ما يكون أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح، فما يُعلن للرأي العام ليس دائماً كل الحقيقة، كما أن ما يتم تداوله في مواقع التواصل والمنصات الكترونية لا يرقى بالضرورة إلى مستوى الحقيقة السياسية أو القانونية.

لذلك فإن القراءة الأكثر اتزاناً هي اعتبار أن قرار الرجوع إلى الساعة القانونية قد يكون نتيجة تراكم عدة اعتبارات في آن واحد، رفض اجتماعي مستمر، وحسابات سياسية مرتبطة بالسياق الانتخابي، ورغبة في إعادة ترتيب بعض الأولويات التواصلية، وربما أيضاً مراجعة داخلية لجدوى الاستمرار في العمل بالساعة الإضافية.

وفي النهاية يبقى السؤال الحقيقي ليس من انتصر سياسياً في ملف الساعة القانونية، ولا من يحق له أن ينسب القرار إلى نفسه، بل ما إذا كانت هذه الدينامية ستفتح الباب أمام مقاربة جديدة تجعل القرار العمومي أكثر ارتباطاً بانتظارات المواطنين وأكثر وضوحاً في أسبابه ومبرراته، بعيداً عن منطق التوظيف السياسي والصراعات الانتخابية التي غالباً ما تحجب الواقع الحقيقي عن المجتمع.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق