قانون المسطرة المدنية الجديد.. حين تثير الشكليات جدلًا حول حق التقاضي

من النص إلى الواقع.. جدل الشكليات في قانون المسطرة المدنية الجديد

ابراهيم
الوطنية•سياسة•قضايا عامة
ابراهيممنذ 3 ساعاتآخر تحديث : منذ 3 ساعات
قانون المسطرة المدنية الجديد.. حين تثير الشكليات جدلًا حول حق التقاضي

أثار دخول قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 حيز التنفيذ نقاشًا في الأوساط القانونية والقضائية، خاصة بشأن بعض المقتضيات التي أعادت طرح تساؤلات حول حدود الشكليات المسطرية وانعكاساتها على الحق في التقاضي، وفي مقدمتها المادة 77، التي أدرجت عنوان البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري ضمن البيانات الواجب تضمينها في مقال الدعوى، مع ترتيب جزاء عدم القبول عند عدم استيفاء البيانات المطلوبة، وهو ما فتح نقاشًا حول مدى إمكانية احترام هذا الشرط في الواقع العملي، ومدى كفاية الوسائل المتاحة للمتقاضي لتمكينه من ذلك

فالشركات، وإن كانت تتمتع بالشخصية الاعتبارية وتخضع لقواعد قانونية منظمة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن عنوان بريدها الإلكتروني متاح لكل من يرغب في مقاضاتها، أو أنه مدرج ضمن البيانات التي يمكن الاطلاع عليها في السجل التجاري، وهنا تظهر المفارقة بين إلزام المتقاضي بالإدلاء بمعلومة محددة، وبين توفير وسيلة واضحة تمكّنه من الوصول إليها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر ببيانات الطرف الآخر

ولا يقتصر هذا الإشكال على المادة 77، بل يمتد إلى مسطرة الأمر بالأداء، التي تنظمها المادة 234 من القانون نفسه، إذ تنص بدورها على ضرورة تضمين عنوان البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري إذا كان أحد أطراف الطلب كذلك، سواء تعلق الأمر بالمدعي أو بالمدعى عليه، وهو ما يجعل مسألة الحصول على هذه المعلومة مطروحة في أكثر من سياق إجرائي، ويعيد إلى الواجهة السؤال نفسه حول مدى التناسب بين إلزام المتقاضي بتقديم البيانات المطلوبة، ومدى توافر الوسائل التي تمكنه من الحصول عليها

ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بالنظر إلى أن المادة 77 نفسها تنص على إنذار الطرف المعني لتدارك البيانات غير التامة أو المغفلة داخل أجل تحدده المحكمة، تحت طائلة الحكم بعدم القبول، وهو ما يطرح تساؤلًا عمليًا حول كيفية التعامل مع حالة يتعذر فيها الحصول على عنوان البريد الإلكتروني، حتى بعد منح المعني بالأمر فرصة للتدارك، فالإشكال هنا لا يتعلق بالدعوة إلى تجاهل النص أو التقليل من أهمية الشكليات المسطرية، بل بمدى كفاية الآلية التي وضعها المشرّع لتدارك النقص عندما يكون مرتبطًا بمعلومة قد لا تكون متاحة للمتقاضي

وفي سياق هذا النقاش، برزت مناشدة الأستاذ يوسف وهابي، المحامي بهيئة المحامين بالجديدة، الموجهة إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، والتي دعا من خلالها إلى مبادرة مؤسساتية لمواكبة الإشكالات العملية التي يثيرها تطبيق المادة 77، بما يحقق التوازن بين احترام الشكليات المسطرية وضمان الحق في التقاضي، وتعكس هذه المناشدة الحاجة إلى فتح نقاش مؤسساتي بشأن الصعوبات العملية التي قد تطرحها المقتضيات الجديدة، دون أن يعني ذلك أنها تمثل موقفًا رسميًا للمجلس المعني

ومن بين المقترحات المتداولة في هذا الإطار، الاستناد إلى مستخرج حديث من السجل التجاري، المعروف بالنموذج 7 أو النموذج J، لإثبات عدم تضمين عنوان البريد الإلكتروني للشركة ضمن البيانات المسجلة، وهو ما قد يساعد على توضيح حدود المعلومات المتاحة للمتقاضي، وإن كان لا يثبت بالضرورة استحالة الحصول على العنوان من مصدر آخر، كما لا يحسم وحده في الأثر القانوني المترتب على غيابه، الأمر الذي يجعل هذا المقترح وسيلة لتوضيح الصعوبة العملية أكثر من كونه حلًا نهائيًا للإشكال

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ملاءمة التشريع المنظم للشركات والسجل التجاري مع متطلبات المسطرة القضائية، سواء من خلال إلزام الشركات بالتصريح بعناوينها الإلكترونية والعمل على تحيينها، أو عبر توفير آلية رسمية تتيح للمتقاضين الوصول إليها، إلى جانب توضيح كيفية التعامل مع الحالات التي يتعذر فيها الحصول على هذه المعلومة، حتى لا يصبح احترام شرط قانوني مرتبطًا ببيانات لا تتوافر بشأنها وسيلة واضحة ومضمونة للوصول إليها

ولعل من «حسنات» الوزير وهبي في قانون المسطرة المدنية الجديد أنه أعاد، من خلال هذه المقتضيات، طرح سؤال أساسي يتجاوز حدود النص القانوني إلى آثار تطبيقه: هل يكفي أن تكون القاعدة القانونية واضحة في عبارتها حتى تكون نتائجها منصفة؟ فالتشريع لا يُقاس فقط بما يفرضه من التزامات، بل كذلك بمدى توفيره للوسائل التي تمكّن من الامتثال لها، وبقدرته على استيعاب الصعوبات التي قد تظهر عند تطبيقه، حتى لا تتحول الشكليات الإجرائية، التي يفترض أن تنظم الولوج إلى القضاء، إلى عوائق غير متناسبة أمام الحق في التقاضي.

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق