الملكية المشتركة بالمغرب: بين تحديات التدبير ورهانات حماية حقوق الملاك

ابراهيم
الوطنيةقضايا عامةمجتمع
ابراهيممنذ ساعة واحدةآخر تحديث : منذ ساعة واحدة
الملكية المشتركة بالمغرب: بين تحديات التدبير ورهانات حماية حقوق الملاك

لم تعد نزاعات الملكية المشتركة في المغرب مجرد خلافات بسيطة حول واجبات الاشتراك أو تدبير الأجزاء المشتركة، بل أضحت في كثير من الحالات مرآة تعكس إشكالات أعمق ترتبط بالحكامة والشفافية والثقة في آليات التدبير، بل وتمتد أحياناً إلى شعور بعض الملاك بالقلق من قدرتهم على حماية حقوقهم أمام تعقيد المساطر القانونية.

ففي الوقت الذي أقر فيه المشرع، بموجب القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 106.12، إطاراً قانونياً لتنظيم العيش الجماعي داخل الإقامات السكنية، تبرز على أرض الواقع حالات عديدة يشكو فيها عدد من الملاك من غياب الجموع العامة السنوية، وعدم تقديم التقارير المالية والأدبية، وصعوبة الاطلاع على الوثائق المتعلقة بتدبير الأموال المشتركة، وهو ما يخلق مناخاً من الشك والتوجس داخل بعض الإقامات.

ولعل ما يبرز أهمية هذا الموضوع اليوم هو الاهتمام المتزايد الذي باتت تحظى به قضايا الملكية المشتركة في الأوساط القانونية والأكاديمية، حيث أصبحت خلال السنوات الأخيرة موضوعاً متنامياً في الأبحاث والدراسات الجامعية بالنظر إلى كثرة النزاعات العملية التي تثيرها، خاصة ما يتعلق بتدبير الإقامات، والشفافية في التسيير، وإثبات الديون، وحقوق الملاك وواجباتهم، وهو ما يعكس انتقال الملكية المشتركة من مجرد نظام لتنظيم السكن الجماعي إلى مجال قانوني واجتماعي يطرح إشكالات متجددة تستدعي النقاش والتأمل والبحث عن حلول أكثر فعالية.

ويزداد هذا الإحساس حدة عندما يجد بعض الملاك أنفسهم أمام منازعات وإجراءات قضائية قد تترتب عنها آثار تمس حقوقهم أو أوضاعهم المالية، بينما يكونون مقتنعين بأن هناك منازعات حقيقية حول أصل الدين أو حول الوثائق التي بنيت عليها المطالبات، وفي مثل هذه اللحظات لا يعيش المالك المتقاضي مجرد نزاع قانوني، بل يعيش تجربة إنسانية قاسية تختلط فيها مشاعر الخوف والغضب والارتباك والتوتر النفسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسكنه الرئيسي أو بحقوق اكتسبها بعد سنوات من العمل والادخار أو عبر التزامات مالية طويلة الأمد، كالقروض البنكية.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في المؤسسات أو في نزاهة القضاء، فالقضاء يبقى الضامن الأساسي للحقوق والحريات، غير أن هذه الوقائع تثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة المالك البسيط على فهم المساطر القانونية والدفاع عن حقوقه، خصوصاً عندما يجد نفسه ملزماً بتحمل مصاريف الدفاع وإثبات حقوقه، في وقت قد لا تسمح فيه وضعيته القانونية أو المادية بالاستفادة من آليات الدعم القضائي، أو عندما يفتقر إلى المعرفة القانونية الكافية.

وفي خضم هذه النزاعات، يظل هاجس الطمأنينة القانونية حاضراً لدى كثير من الملاك والمتقاضين، الذين يتطلعون إلى أن تكون كل الإجراءات والقرارات التي قد تمس حقوقهم أو ممتلكاتهم مبنية على القدر الكافي من التحقق والتمحيص القانوني، فالمالك البسيط، خاصة ضمن الفئات الهشة ومحدودة الدخل، لا ينتظر من العدالة فقط أن تنصفه في نهاية المطاف، بل يتطلع أيضاً إلى الشعور بأن حقوقه كانت محل عناية وتدقيق منذ اللحظة الأولى التي ولج فيها النزاع أروقة القضاء.

كما تطرح هذه الإشكالات سؤالاً أكبر حول الحاجة إلى تعزيز الشفافية داخل منظومة الملكية المشتركة، وتشجيع ثقافة التواصل وتقديم الحساب، وتمكين الملاك من الولوج إلى الوثائق التي تهم تدبير إقاماتهم، بما يحد من النزاعات ويعزز الثقة بين مختلف المتدخلين.

إن العدالة لا تقاس فقط بالأحكام التي تصدر في نهاية المطاف، بل تقاس أيضاً بشعور المالك بأنه استطاع إيصال صوته والدفاع عن حقه في ظروف متكافئة، وبأن القانون لم يتحول بالنسبة إليه إلى مسار معقد لا يملك أدوات خوضه، فحين يشعر المتقاضي بأنه عاجز عن فهم ما يجري حوله أو عن تحمل تكاليف الدفاع عن نفسه، يصبح النزاع القضائي في نظره معركة غير متوازنة، حتى وإن كانت المؤسسات توفر له في النهاية كل ضمانات المحاكمة العادلة.

لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على تطوير النصوص القانونية المنظمة للملكية المشتركة، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة الحكامة والشفافية، وتبسيط الولوج إلى العدالة، وتعزيز الثقة في آليات التدبير والتقاضي، حتى لا تتحول الإقامات السكنية، التي يفترض أن تكون فضاءً للاستقرار والطمأنينة، إلى مصدر دائم للنزاعات وتراجع الثقة والشعور بعدم الطمأنينة القانونية

المصطفى اخنيفس

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...
موافق